حينما يصبح الفقر وسيطا للزواج

تيل كيل عربي

73%  من الفتيات غير المتعلمات في المغرب معرضات للزواج المبكر.هذا الرقم صادر عن دراسة ميدانية بمنطقة تافيلالت، ولا يمكن قراءته كإحصاء عادي ، بل كنداء استغاثة من هته المنطقة ، حيث يختصر مستقبل الفتاة في زيجة مفروضة، تحت غطاء العادات والفقر والتقاليد وحين تصبح نسبة كهذهطبيعية في بعض المناطق، فنحن أمام خلل بنيوي يتجاوز الزواج إلى قيمة الإنسان نفسه.

ففي كثير من الحالات، لا يتم الزواج نتيجة حب أو تفاهم، بل نتيجة حسابات اقتصادية صرفة. الأسر الفقيرة، خصوصا في القرى والمناطق المهمشة، تلجأ إلى تزويج بناتها باعتباره حلا لتخفيف العبء المالي، أو بحثا عن "السترة" بأي ثمن. في هذه الحالة، لا تكون الفتاة طرفافي القرار، بل موضوعا يتم التفاوض عليه. الزواج هنا لا يخرج عن كونه علاقة مشروعة ظاهرا، لكن باطنها يحمل الكثير من الاستغلال المالي، والضغط الاجتماعي، وانعدام الخيار الحر.

 

استثناء قانوني يتحول إلى قاعدة اجتماعية

ينص القانون المغربي، بموجب مدونة الأسرة، على أن الحد الأدنى للزواج هو 18 سنة. لكن الفصل 20 من نفس المدونة يتيح للقضاة منح الإذن بتزويج القاصرينلاعتبارات مبررة. هذا الاستثناء، الذي كان من المفروض أن يظل نادرا، تحول في الواقع إلى باب واسع لتزويج القاصرات بشكل ممنهج. سنة 2023 فقط، تم تسجيل 8,667 حالة زواج لقاصرات بإذن قضائي، وبلغ العدد سنة 2024 ما مجموعه 8,955 عقد زواج لفتيات دون السن القانوني. ورغم أن هذه الأرقام تعرف تراجعا مقارنة بسنة 2017 التي سجلت 26,298 حالة، إلا أن السياق الاجتماعي لا يزال ينتج الآلاف من هذه الحالات سنوياخاصة في المناطق القروية والأوساط الهشة.

زواج دون رضى

رغم صعوبة التتبع الدقيق لحالات الزواج القسري في المغرب بسبب غياب تصنيف مباشر في الإحصائيات الرسمية، إلا أن تقرير المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2019 كشف عن معطيات تضيء جانبا مظلما من الواقع. فقد صرحت 3.9% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج أنهن دخلن هذه العلاقة دون موافقة كاملة. النسبة ترتفع في القرى إلى 5.5%، وتنخفض في المدن إلى 3%. الأجيال الأكبر كانت أكثر عرضة لهذا النوع من الزواج، حيث وصلت النسبة إلى 7.6% لدى النساء فوق سن الستين، مقارنة بـ1.6% فقط لدى النساء تحت 35 سنة، وهو ما يعكس تغيرا بطيئا لكنه لا يزال غير كاف.

بين القانون والواقع

من الناحية النظرية، الزواج القسري يصنف ضمن العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويمكن أن يعتبر جريمة إذا تم إثبات الإكراه أو الضغط. لكن من الناحية العملية، يصعب إثبات غياب الرضى، خاصة عندما تكون الضحية تحت سلطة العائلة أو تعاني من قلة الوعي. حتى أمام القضاء، يمكن أن تنتزع "موافقة" شكلية تحت ضغط اجتماعي هائل، فتحول إلى وثيقة شرعية تبارك فعلا غير مشروع أخلاقيا.

أي مستقبل ممكن للفتيات في الهامش؟

حين تؤكد الدراسات أن الفتيات غير المتعلمات أكثر عرضة للزواج القسري، فإن ذلك يعني أن المدرسة ليست فقط مؤسسة تعليم، بل جدار حماية. لكن في مناطق كثيرة من المغرب، تنقطع الفتيات عن التعليم في سن مبكرة، ويدفعن إلى حياة زوجية لا يعرفن عنها شيئا. القانون وحده لا يكفي. نحتاج إلى منظومة حماية شاملة تبدأ من التعليم، وتمر بالتوعية، ولا تنتهي إلا بتمكين اقتصادي حقيقي للنساء.

يقول عبد الفتاح ناشط حقوقي ان "الزواج القسري والاستغلال المالي للفتيات ليسا فقط مؤشرين على التفاوت الاجتماعي، بل هما جرح مفتوح في ضمير المجتمع المغربي. صحيح أن الأرقام بدأت تعرف تراجعا نسبيا، لكن السؤال الأهمهل تتحسن حياة الفتيات فعلا؟ هل تقل معاناتهن؟ هل يصبحن أكثر قدرة على الاختيار؟ نحن لا نحتاج إلى تقارير تبشر بانخفاض نسبي في الأرقام، بل إلى سياسات جريئة تضمن أن لا تجبر فتاة واحدة في هذا البلد على دخول حياة لم تخترها، وتدفع ثمنها وحدها.