مشروع قانون المحاماة المثير للجدل: ما الذي سيتغير فعليا في مهنة المحامين؟

تيل كيل عربي

يفتح مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 الباب أمام واحدة من أعمق محطات مراجعة الإطار المنظم للمهنة منذ صدور قانون 28.08، واضعا المحامين أمام تحولات إجرائية وتنظيمية تمس مسار الولوج، وشروط الممارسة، وضمانات الدفاع، والعلاقة مع القضاء. وهي تحولات لا تقتصر على النصوص، بل تمتد إلى الممارسة اليومية داخل المحاكم ومكاتب المحاماة.

 

ولوج المهنة… مسار أطول وتكوين أكثر إحكاما

أولى التغييرات اللافتة التي جاء بها المشروع تتعلق بمسار الولوج إلى مهنة المحاماة، حيث أُعيد ترتيب شروط الانتقاء والتكوين بشكل أكثر تشددا. إذ يعزز المشروع من موقع التكوين المهني كمحطة حاسمة، مع تمديد مدته وإخضاعه لمعايير أكثر صرامة، سواء على مستوى المحتوى أو التقييم.

عمليا، يعني ذلك أن المترشح لن يكتفي بالنجاح في مباراة الولوج، بل سيكون مطالباً بمسار تكويني أطول يدمج بين الجانبين النظري والتطبيقي، مع امتحانات مرحلية ونهائية قد تكون حاسمة في استمراره داخل المسار. وهو توجه يرى فيه البعض محاولة لضبط الجودة، فيما يخشى آخرون أن يتحول إلى عتبة إقصاء غير مباشرة.

 

ممارسة المهنة… إعادة تعريف الاستقلال والقيود

على مستوى ممارسة المهنة، يقدم المشروع قراءة جديدة لمفهوم الاستقلال، مقرونة بقيود تنظيمية أوضح. إذ يتم تشديد قواعد التنافي، وتوسيع حالات المنع من الجمع بين المحاماة وبعض الأنشطة، بدعوى حماية النزاهة وتفادي تضارب المصالح.

إجرائيا، سيجد عدد من المحامين أنفسهم مطالبين بإعادة ترتيب أوضاعهم المهنية، سواء داخل شركات أو في ارتباطهم بمؤسسات خاصة أو عمومية. كما يعزز المشروع دور الهيئات في مراقبة شروط الممارسة، بما يمنحها صلاحيات أوسع، لكنه يطرح في المقابل أسئلة حول حدود السلطة التأديبية وضمانات المحاكمة المهنية العادلة.

 

الدفاع وحصانة المحامي… توسيع النص أم تضييق الواقع؟

يؤكد المشروع، في ظاهره، على تعزيز حصانة الدفاع، عبر التنصيص على ضمانات إجرائية عند متابعة المحامي أو تفتيش مكتبه أو الاستماع إليه. غير أن القراءة العملية تُظهر أن هذه الضمانات تظل مشروطة بمساطر دقيقة، قد تفرغها من مضمونها إذا لم تُقرن بضمانات تنفيذية واضحة.

وفي الممارسة اليومية، يخشى عدد من المهنيين أن تتحول هذه المقتضيات إلى "حصانة مؤجلة"، تخضع لتقدير النيابة العامة أو قاضي التحقيق، بدل أن تشكل حماية فعلية تضمن استقلال الدفاع، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الحساس.

 

التنظيم المهني… مركزية أكبر ودور أوسع للهيئات

يعزز المشروع من مركزية التنظيم المهني، عبر إعادة ترتيب أدوار الهيئات وجمعية هيئات المحامين، ومنحها اختصاصات إضافية في مجالات التأطير والتأديب والتكوين.

إجرائيا، يعني ذلك أن قرارات التنظيم الذاتي ستصبح أكثر تأثيرا في المسار المهني للمحامي، سواء تعلق الأمر بالتسجيل، أو التمرين، أو التأديب، أو التكوين المستمر. وهو ما يطرح إشكالية التوازن بين التنظيم الذاتي والاستقلال الفردي للمحامي، خصوصا في ظل غياب آليات واضحة للطعن أو الرقابة.

 

المحاماة في ظل التحول الرقمي… نصوص تسبق الواقع؟

يفتح المشروع الباب أمام إدماج أوسع للرقمنة في الممارسة المهنية، سواء عبر الترافع الإلكتروني، أو التبليغ الرقمي، أو تدبير الملفات عن بعد. غير أن هذه المقتضيات تطرح تحديات عملية مرتبطة بجاهزية المحاكم، وتفاوت الإمكانات بين المحامين، خصوصا في المدن الصغرى.

في الواقع، يخشى مهنيون أن تتحول الرقمنة إلى عبء إضافي بدل أن تكون أداة لتسهيل العمل، إذا لم تواكبها بنية تقنية واضحة، وتكوين مستمر، وضمانات لحماية المعطيات المهنية وسرية الدفاع.

 

إصلاح بالنص أم بالممارسة؟

يحمل مشروع قانون مهنة المحاماة 66.23 وعودا بتحديث الإطار القانوني للمهنة، لكنه يثير في المقابل نقاشا حادا حول المنهج والضمانات وحدود السلطة التنظيمية. وبين من يرى فيه خطوة ضرورية لمواكبة التحولات، ومن يعتبره مساساً بتوازنات تاريخية داخل المهنة، يبقى الرهان الحقيقي معلقاً على كيفية تنزيل هذه المقتضيات، وعلى قدرة الحوار المهني على تحويل النص إلى إصلاح فعلي، لا مجرد إعادة صياغة قانونية.