أخنوش "ضرورة تاريخية"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

أكاد أجزم أن قراءة إعلان عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والتجمع الوطني للأحرار، نيته "اعتزال السياسة" من نفس زاوية فهم "المخزن القديم" تنتج التيه لا غير، تترك للمغاربة اجترار فتات الفهم فقط.

أخنوش صُنع ليحمل على جبهته طابع "حيوان اقتصادي" لا "حيوان سياسي". وضع، على مر السنوات المنصرمة، ضمن تشكيلة الحكومات المتعاقبة، لتصريف رؤية "استقرار اقتصادي مخزني" يضمن "السلم الاجتماعي المغربي" لأطول فترة ممكنة.

ولأن الحُكم بمغرب ما بعد الاستقلال، شُيد على لازمة "au maroc gouverner c est pleuvoir"، كان مكانه الطبيعي الدائم وجوده على رأس وزارة الفلاحة والصيد البحري، حيث قام بتنزيل ما هو مطلوب وإن كان غير مرغوب.

مواصلة استثمار الدولة في شخصية مثل عزيز أخنوش تغيرت قواعدها، بتغير الحاجة على أرض الواقع. نفس الحاجة، مكنته خلال رئاسة عبد الإله ابن كيران للحكومة، من انتزاع الإشراف على ملايير صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، حتى حليف الأمس دافع عن انتزاع الصندوق منه ومنحه لخصم اليوم حينها.

إذن، لم يكن من الممكن أن تترك الدولة "جوكر" على رأس قطاع أنهكته سنوات الجفاف، في نفس الوقت، جاءت الحاجة إليه، لطي صفحة صعود حزب العدالة والتنمية، بالنظر إلى قدرته، أولا، على مواجهة هزات اقتصادية ومالية عالمية، بعقلية رجل الأعمال لا السياسة.

جاءت الحاجة لصعود شخصية تخاطب رجال ونساء الأعمال بلغتهم، حتى إن أغضبت الآلاف منهم، ينضبطون لرئيسهم، حيث يتم القبول بمستويات نتائج رابح/رابح في حدودها الدنيا عند العامة منهم.

أخنوش أدارها، بعقلية التدبير والتسيير حول طاولات مجالس الإدارة لا المجالس الحكومية.

وبغض النظر ما أمكن عن حجم الهزات الاجتماعية وما أنتجته من فضائح تضارب المصالح... المرتبطة بالاستغلال البشع لهوامش التحرك والاستغلال من داخل المهمة الموكلة إليه، بكل أضوائها الخضراء المشتعلة أمامه وأمام محيطه.

هل نجح عزيز أخنوش في مهامه لأجل الدولة؟ الجواب: نعم!

سوف يقرأ كثيرون الرد الإيجابي هنا بكثير من الاستغراب والحيرة، وقد يتسلل الشك بأن هذه الزاوية نفسها التي مارست لسنوات "جلد" الرجل بسبب كل اختياراته، تقترف الآن تقييما آخر كسر الصندوق.

لا بأس!

سوف نحاول تبسيط كل ما سبق في ما هو قادم، أكيد سوف يتبدد عندك كل هذا اللبس الذي يمكن أن تقع فيه.

كيف؟

تأتي على كل الدول، كما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، حقبٌ تستدعي ضرورة إحداث صدمات قوية داخل المجتمع ومحيطها أيضا (الدولة)، بغرض وضع أسس التحولات التي تطرأ أو يمكن أن تطرأ الآن وليس مستقبلا. وتكليف السياسيين بها، يحدُ من فعالية العلاج بالصدمات على المدى القصير، رجال الأعمال يؤدون المهمة بنجاعة أفضل، دون خوف من تأثير ذلك على رصيدهم، لكنهم يخافون أشياء أخرى (تذكر مع هذه النقطة).

المغرب كان في حاجة لأخنوش ومحيطه، لأن بلوغ المملكة عهد الولاية الحكومية الحالية، دون عودة التمييز بين "الدولة" و"الحكومة"، كان ليجعل احتجاجات "جيل z" أقوى وأعنف. نعم، لو كنا قبل أشهر نعيش على ضوء "اللامبة" لاحترقنا جميعا، بالزيت الذي سوف يتسرب من جنباتها ويعبأ من محيطها.

يبقى السؤال الرئيس اليوم هو: هل انسحب أخنوش طواعية أو مكرها؟

قلت في بداية المقال، إن محاولة الفهم بالنظر من الزاوية الضيقة التي تسلط الضوء فقط على الجزء الظاهر من "المخزن القديم"، تنتج الفتات لا غير.

من أجل فهم أوضح، مع التذكير بـ (نقطة الخوف) التي ذكرتها سلفا، وجب استحضار مقال نشره الزميل مصطفى ابن الراضي،  أواخر شهر أبريل من العام المنصرم على موقع "صوت المغرب" حمل عنوان "أرباح أخنوش وخسائر إيلون ماسك".

من أهم ما جاء فيه ونحن نعالج (نقطة الخوف): "أخنوش (متحوّرٌ) في جينات رأس المال الوطني. لم يعد رجال الأعمال في حاجة إلى (وكلاء) لحماية مصالحهم، فقد دخلوها بـ(سبابيطهم). ولا يخطئ القائلون بوجود تحوّل في طبيعة وظيفة النخبة الاقتصادية المحلية، التي لم تعد وظيفيةً على حاشية السلطة السياسية، بل تحوّلت إلى فاعل ومؤثر، ذي صوتٍ ونفوذ".

صدق الزميل ابن الراضي في توصيفه وتشخيصه حينها، لكن حسب ما هو متوفر اليوم من معطيات اقتصادية عالمية ووطنية تغيرت معادلة الربح والخسارة.

أصبحت "وظيفة النخبة الاقتصادية المحلية الفاعلة والمؤثرة في تماه مع السلطة"، غير مرغوبة، وهذا جُبنٌ وفق مبادئ السياسة الوطنية، في المقابل دهاء ماكر لدى من يتحرك وفق معايير استدامة الغنائم دون خسائر.

تغير المعادلة، مرتبط مباشرة بالمناخ الدولي تحديدا، إذ يتوقع حدوث توترات تجارية  ضخمة نتاج سياسات غير واضحة يمكن أن تعيق النمو، أيضا تسجيل مستويات الديون العالمية المرتفعة مقارنة بالناتج الداخلي الخام لكل الدول من بينها المغرب، بالإضافة إلى توقع خلق فقاعات مالية سيكون وقعها أشد من الأزمة المالية العالمية للعام 2008، والسبب سُعار التسابق على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات دون ضمانات تحقيق أرباح واقعية.

دون أن نغفل الاستقطابات الحادة الآن حول العالم، وما زرعته من بؤر حرب يمكن أن تشتعل في أي لحظة، ناهيك عن الحصار الأمريكي المطبق والعنيف على موارد الطاقة القادمة من روسيا وحلفائها، حيث كان هامش الربح فيها ومعها وفيرا دون مراقبة.

أمام كل ما سبق، لا حاجة لرجل الأعمال عزيز أخنوش لإشارات الاستمرار من عدمه على رأس الحزب أو الحكومة مستقبلا، بل هو على قناعة أنه في حاجة لضمانات تحصين ثروته أولا وأخيرا.

لأنه بفضلها من داخلها ولأجلها قبل بتغيير موقعه.

أخنوش على قناعة دون وعي أنه مثلما كانت رئاسته للحكومة وما يدور في محيطها ضرورة، فهو الآن على غير قناعة لكن بوعي أن الضرورة انتفت عنده إن لم تحضر ضمانات الدولة قبل إشاراتها.

مواضيع ذات صلة