بقلم: يوسف معضور
في المغرب، كما في العديد من الدول، أصبحت ظاهرة المؤثرين جزءا لا يتجزأ من المشهد الرقمي والإعلامي. هؤلاء الأفراد الذين يتابعهم الملايين على مختلف المنصات يملكون قدرة واضحة على لفت الانتباه "الرقمي" وتحريك تفاعلات واسعة حول مواضيع متنوعة، من الترفيه إلى التجميل والموضة، ومن المعيش اليومي إلى الترويج التجاري.
لكن حين يتعلق الأمر بالقضايا الاجتماعية الحقيقية التي تلامس حياة الناس اليومية، مثل الكوارث الطبيعية أو الأحداث الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، تظهر فجوة واضحة بين قوة الحضور الرقمي وغياب التأثير الحقيقي على الأرض.
الفيضانات الأخيرة التي تعرفها مناطق الشمال مثال حي على ذلك، فمثل هذه الأزمات تمثل اختبارا حقيقيا لأي قوة تأثيرية في المجتمع، غير أن حضور المؤثرين في هذه اللحظات بقي سطحيا أو غائبا تماما، واقتصر فقط على "سطوريات" مؤقتة أو بعض المنشورات العابرة.
في المقابل، تجندت العديد من الجمعيات المحلية وناشطون يشتغلون بعيدا عن عدسات الكاميرات لجمع التبرعات وتقديم الدعم الفعلي الميداني للمحتاجين، إلى جانب السلطات العمومية المختصة.
تعد طبيعة الاقتصاد الرقمي واحدة من الأسباب الأساسية لبروز هذه الظاهرة، إذ يعتمد النجاح فيه على عدد المشاهدات والتفاعلات اليومية. وغالبا ما يكون المحتوى الخفيف أو الترفيهي هو الأكثر انتشارا. وتشير العديد من الدراسات حول المشهد الرقمي المغربي إلى أن المحتويات الأكثر متابعة هي الترفيهية كالفكاهة والأطعمة والموضة، بينما تتابع المحتويات الهادفة أو التعليمية بنسب أقل بكثير.
وهذا لا يعني أن كل المحتويات الترفيهية بلا قيمة، لكن عندما يصبح المعيار الوحيد لنجاح المحتوى هو الانتشار السريع، تهمش القضايا الاجتماعية المعقدة تلقائيا لصالح ما يدر الإعجابات والمتابعين.
في خضم الأحداث الوطنية والأزمات الاجتماعية، يطرح السؤال نفسه كثيرا: أين يختفي أغلب المؤثرين حين تتطلب اللحظة موقفا واضحا منهم؟
خلال احتجاجات جيل "Z" التي عرفها المغرب السنة الماضية، والمطالبة بتحسين الخدمات وفرص العمل، لاحظ كثير من المراقبين أن الحسابات ذات المتابعين الكثر لم تعبر عن مواقف واضحة أو تأثير حقيقي، واقتصرت مشاركاتها على منشورات عامة لا تتجاوز حدود الإعجابات فقط.
هذا المعطى لا ينفي وجود ناشطين ومدونين يستخدمون حساباتهم الرقمية لتحقيق تأثير اجتماعي حقيقي، لكنهم غالبا ما يكونون مستقلين عن الصورة اللامعة للمؤثر التجاري، ويواجهون خطر فقدان التفاعل أو حتى الانتقاد الرقمي اللاذع.
في هذه اللحظات الحرجة التي يمر بها شمال المغرب، تبرز الحاجة إلى بناء ثقافة تأثير ذات معنى، أكثر من مجرد شهرة رقمية. فالمؤثر الحقيقي يمكن أن يكون صوتا للمناطق المتضررة، أو داعما لحملات تضامن حقيقية، أو وسيطا بين المجتمع ومنصات الدعم، لا مجرد منتج للتفاعل السريع.
تلك المنصات الرقمية تبقى أداة قوية، لا تقاس قوتها بعدد المتابعين فقط، بل بمدى مساهمتها في التأثير الإيجابي في حياة الأفراد حين تشتد الأزمات.
ويبقى التأثير الحقيقي هو ذلك الذي يترجم إلى خطوات واقعية في الميدان، ويظهر التزاما بالمجتمع لا بالجمهور الرقمي فقط، كي يكون لدينا مجتمع قوي في واقعه... وعلى مواقعه.