خاص.. "تيلكيل" تعيد بناء قصة البيدوفيل الفرنسي جاك لوڤوثل

محمد بودرهم

"لغاوري مول لبيكالا" لمن يتحدثون الدارجة، و"عرومي بو لبيشكيلت" لمن يتحدثون الأمازيغية. هكذا كان يعرف جاك لوڤوثل، الذي أصبح في ما بعد شخصية مألوفة في خنيفرة، الواقعة بجبال الأطلس المتوسط. لكن لم يشك أحد في أن الرجل، البالغ من العمر اليوم 79 عاما، ارتكب جريمتي قتل في حق كل من والدته في فرنسا وعمته في سويسرا، حيث خنقهما عامي 1974 و1992 على التوالي، وأنه متحرش جنسي متسلسل. ووفقا للسلطات القضائية الفرنسية، فقد بلغ عدد ضحاياه 89 ضحية على الأقل، جميعهم من الأطفال، بين عامي 1967 و2022. وينتشر ضحاياه، بحسب مكتب المدعي العام في غرونوبل (فرنسا)، في ثماني دول، من بينها المغرب، حيث يعتقد أنه مكث به طويلا.

بحسب مصادر "تيلكيل"، أقام جاك لوڤوثل في المغرب لفترات تزيد عن ثمانية أشهر بين عامي 1975 و1980. وكان قد درس في ثانوية الحسن الثاني بالرباط في ستينيات القرن الماضي. وكان والداه يقيمان في المغرب، حيث كان والده يعمل في السفارة الفرنسية بالمملكة، وإن لم يكن يحمل لقبا دبلوماسيا.

ابتداء من عام 1975، عاد جاك لوڤوثل إلى المغرب خلال فترات قصيرة، ووصل إلى المملكة عبر مطارات الرباط-سلا، وطنجة، والدار البيضاء. في أوائل عام 2010، استقر بشكل دائم في خنيفرة، وتحديدا في حي سيدي بوتزوغارت، "في شارع تاغزوت، الذي كان يتألف في الأصل من أكواخ كانت تستغل كبيوت دعارة. وفي وقت لاحق، تم هدم الأكواخ لإفساح المجال أمام مبان عشوائية"، حسب أحد الفاعلين الجمعويين بالمدينة.

في هذا الحي، كان جاك لوڤوثل صديقا للجميع. يتحدث بعض الكلمات الأمازيغية، لكنه يجيد اللهجة المغربية . ومع ذلك، لا أحد كان يشك في الجرائم التي يخفيها هذا الرجل الذي يبدو ظاهريا كريما. كما صرح لنا أحد جيرانه السابقين: "لم نكن لنعرف شيئا لأنه أخفى نواياه الحقيقية جيدا. كان يساعد الجميع وينفق المال بسخاء دون حساب تقريبا".

ساعد جاك لوڤوثل عائلة بدوية في أروغو (بلدة قرب خنيفرة) على الاستقرار في المدينة بشراء منزل لهم. بل إنه أعطى سيارة لرب الأسرة الذي أراد بدء مشروع نقل غير قانوني.

عندما لم يكن يجوب الحي على دراجته، كان يكنس الشارع، ويجمع القمامة، ويشجع جيرانه على الاهتمام ببيئتهم.

بين عامي 2010 و2024، استقر جاك لوڤوثل نهائيا في خنيفرة. يبدو أنه اختيار مدروس. حسب تعليق مصدر محلي قائلا: "إنها أقل لفتا للانتباه. في الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش، كان يخاطر بالانكشاف. أما في خنيفرة أو أزرو، فلم يكن لديه ما يخشاه، لعلمه أن المنطقة معروفة تاريخيا بتعايش السكان المحليين والأجانب، بمن فيهم عمال الإغاثة والمبشرون والعاملون في مجال التنمية".

والأفضل من ذلك، أن جاك لوڤوثل اختار منزلا بسيطا في حي بسيط مثله. كان يقضي وقته متنقلا بين حيه والمناطق المحيطة به: ورشة النجارة، وأروغو، ومريرت... وأحيانا، كان يغامر بالذهاب إلى أماكن أبعد في رحلات إلى عين اللوح وأزرو.

وبحسب مصدر مطلع على التحقيق، وبالإضافة إلى ضحاياه في خنيفرة، يزعم أن جاك لوڤوثل استهدف دور الأيتام في المنطقة، حيث تمكن من التسلل إليها متظاهرا بكونه معلما أو عامل إغاثة. وذكر أحد مصادرنا أنه: "يقال إنه اختار بعض ضحاياه من دار أيتام عين لوح، وكان يصطحبهم في رحلات طويلة". ويشار، من بين أمور أخرى، إلى "قرية الأمل"، وهي دار أيتام أغلقت عام 2010 للاشتباه في قيامها بالتبشير، والتي كانت موضوع تحقيق أجرته صحيفة "تيلكيل" عام 2014.

وبحسب ما ذكرته عدة وسائل إعلام فرنسية، لم يكن جاك لوڤوثل مهتما بالبالغين أو النساء. وتزعم مصادرنا أنه "كان يفضل صحبة عمال المناجم، وساعد الكثير منهم في بناء مسيرة مهنية، بل وحتى الهجرة إلى فرنسا". ويقال إن بعضا من تلاميذه السابقين أصبحوا الآن من بين الشخصيات البارزة في المنطقة.

 

وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، سواء في فرنسا أو المغرب، فالتحقيق متوقف. هذا ما دفع السلطات القضائية الفرنسية، وفقا لمصادرنا، إلى عرض تعويضات مالية على الضحايا المغاربة لتغطية تكاليف تذاكر الطيران والمساعدة في الحصول على تأشيرات للإدلاء بشهادتهم في فرنسا. وتزعم مصادرنا أنهم: "وعدوا بتعويضات كبيرة بصفتهم أطرافا مدنية، نظرا لثروة جاك لوڤوثل الطائلة".

لكن هذا لا يكفي. "يجب فهم ثقافة السكان المحليين. تخيل أن هؤلاء الضحايا، وبعضهم في الستينيات من العمر، آباء، بل أجداد، يروون للمحققين أو القضاة أنهم تعرضوا لأفعال مشينة من قبل الشخص نفسه الذي كان يعتبر محسنا لهم"، يقول مصدر مطلع على المنطقة وسكانها.

الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة لآخرين يشغلون حاليا مناصب تعتبر "حساسة": ضباط، وأفراد الأمن... ناهيك عن أولئك الذين اختفوا، إما بعد هجرتهم أو وفاتهم.

بحسب مصادرنا، غادر جاك لوڤوثل المغرب في 4 فبراير 2024 من مطار فاس سايس، قبل أيام قليلة من اعتقاله في فرنسا. وقد تم التواصل بين المحققين الفرنسيين والمغاربة، لكن لا تزال هناك أسئلة كثيرة عالقة حول القضية.

ورغم أننا نعرف ما يكفي تقريبا عن إقامته في خنيفرة، فإن الغموض يكتنف ما فعله في عدة مدن وبلدات مغربية أخرى. ويكشف لنا مصدر مقرب من التحقيق أن تصريح إقامته في المغرب صدر عن السلطات في طنجة. أي أنه أقام في طنجة أو إحدى المدن المجاورة: العرائش، أو القصر الكبير، أو حتى شفشاون.

وهذا ليس كل شيء. إذ يزعم أن جاك لوڤوثل قام بعدة رحلات وأقام في بني ملال وأزيلال، مستخدما دائما نفس الأسلوب: انتحال صفة محسن أو معلم أو عامل إغاثة للوصول إلى ضحاياه.

ستظهر الحقيقة، أو لن تظهر أبدا، في ظل التحقيق الجاري بقيادة العقيد سيرج بروسيدس، وهو ضابط رفيع المستوى في الشرطة القضائية الفرنسية، الذي قدم من صفوف الدرك. ويوضح مصدر أمني مغربي، طلب عدم الكشف عن هويته: "لقد تواصل بالفعل مع السلطات المغربية لأغراض التحقيق، لكنه ليس متفائلا جدا بشأن هذه القضية المعقدة للغاية، خاصة وأن معظم الجرائم التي يتهم بها جاك لوڤوثل قد سقطت بالتقادم في فرنسا".