شهرزاد عجرودي
وُلد عبد الحميد بنداوود عام 1958في مرتفعات تازة، حيث الهواءٌ واسع والسماء قريبة، والوحدة شفيفة تجعل الكائن يصادق صمته قبل أن يصادق الناس. تعلم المشي بمحاذاة الحقول،كما تعلم مبكرا أن الأفق لا يُحدّ بسور، فوق تلك الهضاب العالية تشكّلت حدّته الأولى.
غادر مدينته في اتجاه فاس لدراسة الفلسفة، هذه المادة التي درّبته على القلق الذي سيقوده إلى الصحافة فيما بعد. كان صوته يمشي مستقيمًا، وكأنه يسير في شارع عام. وحين تضيق صفحة الجريدة بما يريد، كان يهرب إلى الشعر، يكتب شذراتٍ كأنها شظايا زجاج. قصائده قصيرة، لكنها جارحة. تعامل معها مثلما يفعل صائغٌ مع معدنٍ نادر، يطرقها قليلًا، يصغي إلى رنينها، ثم يقرّر إن كانت تستحق البقاء. ويترك الفكرة تمشي وحدها، عاريةً من الزينة، قاسيةً بما يكفي كي لا تُنسى.
داخل صفحات جريدة العلم، اختبر لأول مرة طعم الحبر وهو يختلط بحرارة المطبعة، في قلب ذلك البياض الصارم، فهم أن الجملة ليست مجرد زينة، وأن الحذف أحيانًا أبلغ من الصراخ. كانت تجربة قصيرة امتدت لسنة واحدة فقط، قبل أن ينتقل إلى أسبوعية البلاغ المغربي التي عوضت قليلا الغياب القسري لصحيفة المحرر، لكن التحوّل الحقيقي بدأ عام1989 ، حين التحق بـجريدة الاتحاد الاشتراكي.
نشر مقالاته في البداية باسمٍ مستعار، حميد التازي، وكأنّه يجرّب قناعًا قبل أن يواجه العالم باسمه العاري. لم يمضي الكثير من الوقت حتى صار صوته معروفًا، حادًا، ساخرًا، لا يهادن.
عبَرَ العمود والافتتاحية، ومرّ بالحوار، الريبورتاج، البورتريه، والقراءة النقدية، متابعا بدقة بالغة المشهد الثقافي المغربي.
كائن ورقي، ظل ينظر إلى البياض الإلكتروني بتوجس وكأنه كمين.
ديوانه الوحيد « التشظي» ليس مجرد كتاب صغير من ستٍ وثمانين صفحة، بل حطام عقدٍ كامل من الاحتراق المنظم، عشر سنوات وهو يكتب بيدٍ، ويمحي بالأخرى، يبدو كل نص وكأنه ناج من مجزرة بيضاء، تتجاور الحكمة مع شكّها كخصمين في مرآة، وتندسّ الفلسفة بين السطور خفيفةً متخفيةً في عباءة الشعر، ثم تنفجر السخرية السوداء كضحكةٍ في جنازة المعنى.
هذا الديوان، هو خلاصةُ اصطدامٍ طويل بين شاعرٍ مأهولٍ بالعاصفة، وعاَلمٍ يمضي دون أن يلتفت إلى رماده.
يقول عبد الحميد بنداوود:
« كـلما هـممت بــغسـل هـذا العالم في المــاء، إلا وألــقيـت نفسـي مـطوقـا بــرعـب هــذا الاحتــمـال.
أن أدنــس المــاء ولا يتــطهر العالم ».
كان عبد الحميد بنداوود رجلا أنِيقا، مورد الروح، خفيف الظلّ وثقيل المعنى. يسكب حزنه قطرةً قطرة، كأن اللون دمٌ خفيف. ويرسم خفية في بيته الذي كان يكتريه في سلا، كما يرسم من يخشى أن تراه الملائكة وهو يعيد ترتيب خساراته. محاطا بلوحات معلقة لفنانين تشكيليين مثل الجيلالي الغرباوي، فريد بلكاهية، عبد الحي الديوري، بوشعيب الهبولي، عزيز السيد، أحمد بليلي، عبد الكبير البحتري... وغيرهم من الفنانين المغاربة اللذين تابع تجربتهم واقترب من أفق مغامراتهم التشكيلية. وكانت هذه المجموعة من اللوحات بالإضافة إلى منحوتات صغيرة إلى متوسطة الحجم، وبعض النباتات التي تؤثث بيته الصغير، مصدر فخر واعتزاز بالنسبة إليه.
كان متذوقا جيدا، يجيد الطبخ، ويحب أن يهيئ من حين لآخر بعض الوصفات الطبية التقليدية، التي يبقيها قريبة في متناول يديه.
كان شاسعا كندبةٍ قديمة على جبين السماء، غامضا كخطوةٍ في ضباب، لولبيا كدخانٍ يعرف طريقه إلى أعلى.
وكان يعرف أن النهر إذا غادر مجراه غرق العالم. فأبقى النهر في عروقه، وأبقى العروق مشتعلة.
ظل يقاتل أشباحه بصبر قديسٍ متعب، يطارد هزائمه من شريانٍ إلى شريان، ويعيد ترتيب قلبه كل مساء.
تشكّلت ملامحه عبر احتكاك طويل بالعالم. يصغي أكثر مما يعلن، رجلٍ لا يمنحك نفسه دفعة واحدة، بل يدعوك إلى الاقتراب منه بحذر. له وجهُ من خبرَ الالتباس، وكأنه ينتمي لحضارةٍ عاشت طويلاً على الحافة، تعلّمت الاقتصاد في التعبير والصلابة دون استعراض. فيه شيءٌ من أثر الحجر حين يصقله الزمن، لا يلمع، لكنه لا ينكسر.
يعرف القريبون منه جدا مدى حبه للأطفال، كان يقدس براءتهم. قد يصدّ العالم كله، لكنه لا يرفض طلب طفل أبدا.
مرت سنة على تقاعده من جريدة الاتحاد الاشتراكي، (2018) وبدى أنه مستمتع بتجربة حياة جديدة، مليئة بالألوان والأصباغ التي يجربها في بيته وهو يرتدي قبعة الفنان التشكيلي بكل ما يملك من وقت وحرية. كما أنه كان يهيأ ديوانا ثانيا، كأنّه يخبّئ نجمةً أخرى في جيب العتمة. مخطوطاتٌ جديدة، أوراقٌ دافئة بالحبر، قصائد لم تُجرِّب بعدُ هواء المطابع ولا ارتجاف القرّاء.
لكن الريح سبقت الموعد. وحل المرض كضيفٍ ثقيل لا يطرق الباب، مثل صيف مشتعل،أوخريف يتقن السقوط، سقط ذلك الصباح شيءٌ من السماء، ولم ينتبه أحدٌ أن الأرض صارت أثقل. انكسر ضوءٌ خفيّ، وتدحرج الإسم في الممرات كجرسٍ مذعور.
الرجل الذي اعتاد أن يملأ رئتيه بالكلمات، وجد نفسه يصالح جسده على إيقاعٍ أبطأ. والهواء الذي كان حليفه الأول في الهضاب، صار فجأة خصمًا صامتًا.
تدخلت عائلته الصغيرة، بما فيها إخوته، وأغلقت الباب على أشيائه المادية كما الرمزية. كتبه، أوراقه، رسائله، وربما حتى صمته الأخير. صودرت الذاكرة كما تُصادر غنيمة، وانطفأت فجأة تلك الشرارة التي كانت تستعدّ لأن تصير كتابًا.
حاول بعض الأصدقاء أن يسترجعوا النصوص ويشتروا مجموعته الفنية كي تظل بعيدة عن العتمة، لكن كل الطرق كانت تؤدي إلى جدار.
وهكذا، ظلّ الديوان الثاني احتمالًا معلّقًا، قصائدُه في المنفى، وحبرُه ينتظر قارئًا لن يأتي.
لقد خلف موته صيف 2019 حزنا بالغا غمر أصدقاءه، زملاءه، وكافة مكونات المشهد الثقافي في المغرب.
يقول القاص الراحل ادريس الخوري وهو يرثي صديقه بنداوود في لقاء تأبيني احتضنته نسخة 2020 من معرض الكتاب في الدار البيضاء :
« كانت حياتك مليئة بالأحلام والرغبات، بالانغماس في مأساتها اليومية المتراكمة مثل ديون، وها أنت الآن تغيب عنا إلى الأبد وتتركنا أشلاء نفسية متألمة، فمن سيسلينا بكلامه المهموس؟ بضحكته المتقطعة وبكل ما يملك من نزوع البساطة؟ لا أحد إلاك... نحن الآن في مقهى « لامارن» بالرباط، في مطعم « نهار ليل» في مقهى « ميدي» في نادي الكرة الحديدية ... وما حضورك بيننا هنا وهناك ضمن شلتنا المشاغبة إلا ملحا ضروريا في جلساتنا شبه اليومية، من هنا ظل بنداود حاضرا بيننا رغم غيابه. لم يكن يتحدث عن الكتابة مثل «شي وحدين» لم يكن متهافتا مثلهم، كان عفيفا وزاهدا في هذا... »
رحل كما عاش، هادئا، مهيبا، محتفظا بحدّته وحزنه النبيل.
كيف نقيس غيابه اليوم، وكيف نحدّق في الفراغ ، وهو الذي كان يملأ الأمكنة بارتفاعه؟
كيف نلمس اسمه، دون أن تحترق أصابعنا ونحن نردد جملته الأثيرة:
« يستطيع النسر النبيل أن يحلق في الأعالي وأن يستوطن ناطحات السحاب. أن يطلق جناحيه في الأجواء وفي الأهواء، وأن يفعل ما يشاء كما يشاء حينما يشاء»..