بقلم: يوسف معضور
في زمن الثورة الرقمية، لم تعد الصحافة قالبا واحدا كما كانت تدرس في معاهد التكوين في الصحافة والإعلام. اليوم يمكننا الحديث عن تصنيف جديد للصحافة: الصنف الأول: صحافة "كبيرة" تناقش الظواهر وجذورها، تبحث في الأسباب العميقة المؤدية إليها، وتضع الأحداث في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. الصنف الثاني: صحافة "متوسطة" تكتفي بتغطية الوقائع والحوادث كما تقع، تنقل الخبر وتتابع تفاصيله دون الغوص في عمقه، الصنف الأخير: صحافة "صغيرة"، لا تهتم بالظواهر ولا بالسياقات، بل تنشغل بحياة الناس الخاصة، بفضائحهم وأسرارهم ومعاناتهم، وتحول المآسي الشخصية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.
للأسف، الصنف الأخير هو الأكثر انتشارا اليوم، لأنه الأسرع جذبا للنقرات والمتابعات، والأكثر قابلية للانتشار، ومن هنا نفهم كيف تحولت قضية خروج سيدة من السجن، دخلته بسبب خلاف عائلي مع طليقها، إلى "ترند" وموضوع تتسابق عليه بعض المنابر الصحفية، وكأنها قضية رأي عام مصيرية.
فجأة صار الجميع يسأل: ماذا قالت؟ ماذا فعلت؟ من ظلم من؟ من السبب؟ وهناك من أصدر أحكاما جاهزة وفصل على هواه، وكأننا أمام قضية وطنية كبرى، لا مجرد نزاع شخصي يتكرر كل يوم في بيوت كثيرة بين الأزواج والعائلات.
في الحقيقة، كيف ومتى ولماذا دخلت هذه السيدة السجن ليس ما ينبغي أن يشغلنا ويجعلنا نتعمق في التحليل، النزاعات بين الأزواج أو المطلقين ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكن ما يجب أن تهتم به الصحافة، وترتقي من الصغيرة إلى المتوسطة ثم إلى الكبيرة، هو طرح أسئلة من قبيل: لماذا تتحول القضايا العائلية إلى فضائح علنية على منصات التواصل الاجتماعي؟ لماذا يسمح بانتهاك خصوصية الناس مقابل بعض المشاهدات؟ ولماذا نغفل عن القضايا الحقيقية التي تمس المجتمع كله؟
حين تنشغل الصحافة بحياة الناس الخاصة، فإنها تساهم بشكل مباشر في تشويه الوعي العام، بدل النقاش حول التعليم والصحة والبطالة والعنف الأسري وارتفاع نسب الطلاق كظاهرة، نحن ننجر وراء قصص فردية تقدم بطريقة مثيرة، بلا سياق ولا تحليل، وهكذا تتحول الصحافة من سلطة رقابة ومسؤولية إلى مجرد سوق "يومي وأسبوعي" للفضول.
المشكلة ليست في متابعة الأخبار، بل في طريقة معالجتها، فالصحافة التي تحترم نفسها لا تفضح الناس، ولا تستغل ضعفهم، ولا تبني جمهورها على معاناة الأشخاص، الصحافة الحقيقية تطرح الأسئلة الصعبة، من قبيل: كيف نحمي الأسرة من التفكك؟ كيف نطور قوانين تحميها كمؤسسة؟ كيف نعالج أسباب العنف بدل الاكتفاء بتصوير نتائجه؟
التطور الرقمي رفع بشكل كبير مستوى الفضول لدى الناس، وتمت رقمنة "التبرݣيݣ" وتتبع عورات الناس بشكل مهول، الأمر الذي يتطلب منا صحافة تحد من هذا الفضول، أو على الأقل تساهم في التقليل منه كي لا نسقط في هاوية الإثارة الرخيصة.