التسول في المغرب.. مهنة تقتات على عاطفة الناس

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

لم تعد ظاهرة التسول مجرد حالات إنسانية معزولة تستدعي التعاطف والمساعدة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مسرح يومي يكشف مفارقة قاسية في سلوكنا الجماعي، فالمشهد لم يعد يقتصر على محتاج يطلب المساعدة لتسديد حاجة آنية في لحظة ضيق، بل تحول إلى نشاط شبه منظم يحتل الشوارع وإشارات المرور وأبواب المساجد، حتى أصبح جزءا من مورفولوجيا المدينة.

يمكن اليوم التمييز بوضوح بين نوعين من المتسولين: متسول ثابت يحجز مكانه أمام المساجد ومداخل الأسواق والمقابر أو في زاوية شوارع معروفة، حتى إن غيابه يوما واحدا يثير استغراب الذين تعودوا على رؤيته، في المقابل، هناك المتسول المتحرك أو الموسمي، الذي يتواجد في مختلف الأماكن ويتنقل بين الأحياء والأسواق في "مهمة مهنية"، ويظهر بكثافة في مواسم محددة، خصوصا خلال شهر رمضان أو الأعياد، حيث تتحول عاطفة الناس الدينية إلى فرصة ذهبية.

في هذه المناسبات تحديدا يتضخم المشهد بشكل لافت، وكأن الشوارع تتحول إلى مسرح كبير للتسول، تتكرر فيه نفس الصور النمطية، أدعية مستهلكة لا تنفع صاحبها، ملامح بائسة مصطنعة أحيانا، وقصص جاهزة عن المرض أو الفقر، والمفارقة أن معظم المارة يتفاعلون مع تلك الحالات بسرعة، ليس لأنهم تحققوا من الحاجة، بل لأنهم يريدون شراء شعور سريع بالخير، دراهم تقابلها راحة ضمير.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالجزء الكبير من المجتمع لا يزال يعتقد أن إعطاء المال في الشارع هو صدقة مباشرة وأجر مضمون، لكن الواقع أقل براءة بكثير. حين تتحول الصدقة إلى عادة عاطفية غير واعية، فإنها تصبح في الوقت نفسه حافزا قويا لاستمرار الظاهرة وتوسعها، بل إن بعض المتسولين باتوا يحصلون في يوم واحد على ما لا يحصل عليه عامل بسيط بعد يوم كامل من العمل، أو موظف في إدارة عمومية، وهنا تنقلب المعادلة، فالصدقة التي يفترض أن تخفف الفقر تتحول إلى نظام يكرس التسول ويغري به.

الأخطر من ذلك أن التسول لم يعد نتيجة فقر قاهر، بل أصبح حرفة قائمة بذاتها، لها مواسمها المدروسة، مواقعها المحجوزة، وأساليب فريدة في جذب العطف، وهناك من يعرف بدقة أين يتموقع بعد صلاة التراويح والجمعة، وأين يجد أكثر الناس سخاء عند إشارات المرور، ومتى ينتقل إلى حي آخر، كأننا أمام اقتصاد مواز يقوم على استثمار العاطفة الإنسانية.

في خضم هذا المشهد الصاخب يضيع سؤال محوري: أين يذهب حق المحتاج الحقيقي؟ الحقيقة التي نغفلها كثيرا هي أن أشد الناس حاجة هم في الغالب أبعدهم عن التسول، فهناك فقراء يعيشون بيننا في صمت مع أقاربهم وجيرانهم وأسرهم، يحافظون على كرامتهم إلى حد أن الناس يحسبونهم أغنياء من التعفف.

هؤلاء لا يقفون في الشوارع ولا يرفعون أصواتهم بالدعاء، لكنهم الأولى بالصدقة والمساعدة.

استمرار التسول بهذا الشكل لا يسيء فقط إلى صورة المدن والمجتمع ككل، بل يسيء إلى فكرة التضامن نفسها، فهو يرسخ ثقافة الاتكال بدل ثقافة العمل، ويحول الكرم إلى سلوك عشوائي لا يساهم في التخفيف من الفقر والحاجة بقدر ما يجمله مؤقتا.

ربما حان الوقت لنكون أكثر جرأة مع أنفسنا لتكسير فكرة جاهزة ومستهلكة حول مفهوم الصدقة، فليس كل درهم يعطى في الشارع يعتبر صدقة بمعناها الديني والاجتماعي، أحيانا تكون مجرد مساهمة غير واعية في استمرار المشكلة.

أما الصدقة الحقيقية فهي تلك التي تصل إلى مستحقيها بوعي وتنظيم، وتحفظ كرامتهم، وتساعدهم على الخروج من دائرة الحاجة، الصدقة الحقيقية قيمة نبيلة لمن يستحقها، لكن حين يترك الأمر للعاطفة وحدها دون ترجيح كفة العقل، تتحول إلى وقود ظاهرة اجتماعية تسيء إلى المجتمع كله.