كيف انقلبت مناورة جزائرية من محاولة لإحراج واشنطن إلى ضغط رهيب على البوليزاريو؟ 

تيل كيل عربي

بقلم: هشام برجاوي، أستاذ القانون الدولي، جامعة محمد الخامس - الرباط 

انعقدت، خلال شهر فبراير الماضي، جولتان من المفاوضات بين الأطراف المعنية بالنزاع حول الصحراء المغربية، أُجْرِيَتْ كلها فوق الأراضي الأمريكية، حيث نُظِّمَتْ الأولى في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بإسبانيا، بينما احتضنت واشنطن الجولة الثانية.

انصبت المفاوضات المذكورة حول وصفات تطبيق قرار مجلس الأمن الأممي رقم 2797 الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي المدلى بها من قبل المغرب الإطار المرجعي لإنهاء النزاع حول الصحراء المغربية.

وفي سياق ترتيبات تفعيل القرار رقم 2797، طُلِبَ من المغرب تحضير ورقة تقنية حول كيفيات تفعيل الحكم الذاتي، وهو ما جرى القيام به خلال الجولة الأولى من المفاوضات.

رغم التكتم الشديد الذي رافق المفاوضات، نظرا لارتكازها على التنزيل التقني للحكم الذاتي، إلا أن صحفا إسبانية نشرت خبرا مفاده أن المغرب أدلى بصيغة استلهمت الحكم الذاتي المراد تطبيقه في الأقاليم الجنوبية للمملكة من تجارب دول أوروبا الغربية.

من منظور تقني بحت، يختلف الإطار الذي يمنحه القانون الدولي للحكم الذاتي عن الإطار المتمخض عن القانون الدستوري والإداري، ذلك أن الإطار الأول يتأسس على نقل جزئي للسيادة، بينما ينبني الإطار الثاني على صيغة توزيع اختصاصات تدبيرية محضة، بين الحكومة المركزية من جانب وهيئات التسيير المحلي من جانب آخر.

تجدر الإشارة، كذلك، إلى أن نماذج الحكم الذاتي المعمول بها في أوروبا الغربية تمخضت عن ديناميات انتقال ديمقراطي داخلي، وليس عن تدبير نزاع متصل بالقانون الدولي. وبالنتيجة، فالبحث عن الصيغة الإجرائية للحكم الذاتي في ملف الصحراء المغربية سيتأثر بالقانون الدولي أكثر من تأثره بالصيغ ذات العلاقة بتطور الأنظمة السياسية والإدارية الواقعة تحت ضغط التدافع السياسي والاجتماعي الداخلي.

ويبدو أن الطرف الجزائري يكثف جهود التنقيب في القانون الدولي للالتفاف على مضامين القرار الأممي رقم 2797، إذْ أفادت وسائل إعلام أمريكية أن ممثلي الجزائر اقترحوا صيغة حكم ذاتي مستوحاة من الوضعية القانونية لجزيرة بورتو ريكو Porto Rico، الخاضعة لنظام "الولاية الحرة الشريكة" Free associated State، حيث تخضع في جميع قضايا السياسة الخارجية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ساكنتها لا تشارك في انتخابات السلطات الاتحادية المتمثلة في الرئيس والكونغرس، وتطبق، بصفة جزئية فقط، الدستور الاتحادي الأمريكي.

إن كانت المناورة الجزائرية قد أفرزت تشويشا محدودا، إلا أن كلفتها السياسية ستكون باهظة جدا بالنسبة للجزائر والبوليزاريو، حيث إن هذه المغامرة غير محسوبة العواقب تنطوي على إحراج للولايات المتحدة الأمريكية يتجلى في محاولة حصرها في زاوية التماهي مع صيغة مستقاة من نظامها القانوني.

لذلك، كان الرد الأمريكي شديد الوطأة على الجزائر، حيث تقدم أعضاء بارزون في الكونغرس، و من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بمشروع قانون يدفع نحو اعتبار البوليزاريو منظمة إرهابية، مما يعني، عمليا، أن الجبهة مضطرة في غضون الأساييع القليلة القادمة لتقديم جواب واضح لسؤال مصيري : إما قبول صيغة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أو التحول إلى منظمة إرهابية منبوذة.