تصوير- عبد الرحمان الطرشولي
كشف رافائيل ليوجييه، المدير العلمي لمعهد الدراسات المتقدمة (Institute for Advanced studies) وصاحب كرسي "التحولات" بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ، أن سر نجاح العلم الحديث يكمن أساسا في التخصص والتنوع، أي في تفريق العلوم المختلفة مثل البيولوجيا والفيزياء وغيرها.
من الفجوة إلى التقارب: كيف توحد العلوم تخصصاتها بين البيولوجيا والهندسة
أوضح المدير العلمي، في تصريح له خلال افتتاح أسبوع العلوم بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات أن حتى داخل البيولوجيا نفسها، أصبح الباحث في علم الأحياء الخلوي (المونوكولير) بعيدا تماما عن الباحث في علم سلوك الحيوان (الإيثولوجيا)، فكلاهما يدرس الكائنات الحية، إلا أن الفجوة بين مجالاتهما العلمية تجعل من الصعب عليهما فهم بعضهما البعض بسهولة.
وأبرز في معرض حديثه، أن هذه العملية من التخصص والتنوع ساعدت على زيادة الفعالية والإنتاجية العلمية، لكنها في منتصف القرن العشرين ونهاية القرن العشرين، وتفاقمت أكثر في القرن الواحد والعشرين، بدأت تظهر ظاهرة جديدة وهي التقارب بين التخصصات، حيث بدأت العلوم المختلفة تتقاطع وتتواصل بشكل أكبر، مستفيدة من البيانات والأدوات الحديثة.

وأشار إلى أن هذا التقارب بدأ، على سبيل المثال، مع اختراع الذكاء الاصطناعي، الذي انطلق بمحاكاة الشبكات العصبية، وهي في الأصل تمثل الدماغ البيولوجي. هذه المحاكاة مكنت من إنجاز أنظمة إلكترونية متطورة تقوم بوظائف كانت تقتصر سابقا على العمليات البيولوجية.
واستطرد قائلا مثال آخر على هذا التقارب هو علم الأطراف الاصطناعية. سابقا، كانت الأطراف عبارة عن أجهزة خارجية بحتة، ما يسمى بالأطراف "الخارجية الجسمية" (Axosomatique)، أي أنها توضع على الجسم مثل ذراع أو ركبة صناعية. المشكلة كانت في أن هذه الأطراف تعمل ميكانيكيا من الخارج فقط، دون تكامل حقيقي مع وظائف الجسم الحيوية.
أذرع صناعية متصلة بالعصب.. الإنسان يتحكم بتطوره عبر التكنولوجيا
وفي سياق متصل، لفت الانتباه إلى أنه اليوم أصبحنا قادرين على أخذ يد أو ذراع صناعية وربطها مباشرة بالجهاز العصبي. كيف يتم هذا الربط؟ الجهاز العصبي يحتوي على معلومات واردة تصل إلى الدماغ، وأوامر صادرة تأتي من الدماغ إلى الخارج. وبذلك، أصبح من الممكن أن تعمل الأطراف الصناعية بطريقة تفاعلية متكاملة، بحيث تستقبل إشارات من الجسم وترد عليها، أي تتيح تدفق المعلومات داخليا وخارجياin وout.
وأوضح ان هذا يعني أن الطرف الصناعي أصبح يعتبر جزءا من الجسم، لأن التعريف الطبي للجسم يعتمد على المحيط العصبي. وما يحدث هنا يغير حتى سرعة التطور، وكأن الإنسان أصبح يتحكم في عملية التطور بنفسه عبر التكنولوجيا بالمعنى الهندسي للكلمة، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين البيولوجيا والهندسة، إذ أن التطور الذي كان يحتاج سنوات طويلة لتعديل شكل اليد وجعلها أكثر كفاءة، يمكن اليوم تحقيقه بسرعة باستخدام الابتكار التكنولوجي.
وخلص إلى القول اليوم، بما أنه يمكن تصنيع أذرع موصولة بالجهاز العصبي في المصانع، يصبح الأمر وكأن شكل أجسامنا يتطور، لكن هذه المرة بسرعة عدة أشهر فقط. ومع ذلك، لا نعرف بعد إلى أين سيؤدي هذا الاتجاه، وما هي الحدود أو النتائج النهائية لهذا التطور السريع.