لم يكن اكتشاف أنفاق تهريب الحشيش في سبتة المحتبة حدثا معزولا أو مفاجئا، بل نتيجة مسار طويل من التحريات الميدانية والتقنية التي وثقتها محاضر الشرطة الإسبانية، والتي تكشف عن شبكة إجرامية متكاملة، تعمل وفق نظام دقيق يجمع بين المراقبة البشرية، والتنسيق الهاتفي، والبنية اللوجستية المعقدة التي تنتهي، في آخر مراحلها، إلى التهريب تحت الأرض.
شبكة بهيكل هرمي وتنظيم محكم
تبدأ خيوط التحقيق من توصيف عام للشبكة باعتبارها تنظيما إجراميا منظما، يتوفر على هيكل هرمي واضح، حيث يتوزع الأفراد بين مهام التخزين والنقل والحراسة والتنسيق، في منظومة تشتغل بشكل دائم، وتهدف إلى إدخال كميات كبيرة من الحشيش إلى سبتة، ومنها إلى باقي التراب الإسباني والأوروبي. هذا التنظيم، بحسب الشرطة، لم يكن عشوائياً، بل قائماً على “تقسيم وظيفي صارم” يضمن الاستمرارية ويقلل من مخاطر الاختراق الأمني.
منزل “آركوس كيبراخادوس”… مركز العمليات
في قلب هذه الشبكة، برز منزل يقع بحي “آركوس كيبراخادوس”، الذي تحول إلى نقطة محورية في عمليات التخزين والتوزيع. وتوثق المحاضر كيف أن عناصر الشرطة، عبر مراقبة ميدانية دقيقة، رصدت وصول أحد المشتبه فيهم بدراجة نارية، قبل أن يُخرج حقيبة من مخبأ داخلها ويتجه بها بسرعة إلى داخل المنزل، مع سلوك حذر يعكس حالة تأهب أمني دائم. هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عادية في الظاهر، كانت بالنسبة للمحققين مؤشرا أوليا على نشاط غير قانوني.
نظام مراقبة واتصالات على مدار الساعة
بمرور الوقت، تكشفت ملامح ما يشبه “نظام الحماية” الخاص بالشبكة. فقد لاحظت الشرطة انتشار أفراد في محيط المنزل، يتحركون بطريقة غير عادية، يراقبون مداخل الشارع ويقومون بإشارات متبادلة، في حين ظل بعضهم في حالة اتصال هاتفي مستمر. وتشير المحاضر إلى أن هذه الاتصالات كانت تتم بشكل متكرر، وفي أوقات متأخرة من الليل، ما يعكس وجود غرفة تنسيق غير مرئية تدير العمليات عن بعد.
الهواتف… أداة لتفادي التتبع الأمني
في إحدى الوقائع التي توثقها المحاضر، تم تسجيل لقاء بين اثنين من عناصر الشبكة، حيث جرى تسليم هاتف محمول بطريقة مباشرة، وهو ما اعتبرته الشرطة دليلا على اعتماد الشبكة على تبادل الأجهزة لتفادي التتبع، أو لاستخدام خطوط اتصال يصعب رصدها. ورغم أن النصوص المتاحة لا تتضمن تفريغا حرفيا للمكالمات، إلا أن كثافة الاتصالات وتوقيتها وسياقها تشير إلى وجود تنصت تقني مواز، مكّن المحققين من تتبع مسار العمليات بشكل شبه لحظي.
تفريغ الشحنات: بداية كشف النشاط
في مساء نفس اليوم، رُصدت عملية تفريغ شحنة جديدة. سيارة تصل إلى المنزل، يترجل منها أحد الأفراد، يفتح الصندوق الخلفي، ثم يبدأ في نقل ثلاث حقائب كبيرة إلى الداخل. وتؤكد الشرطة أن وزن هذه الأكياس وطريقة التعامل معها يرجح أنها تحتوي على الحشيش، خاصة في ظل الحراسة المشددة التي رافقت العملية. في هذه اللحظة، كان واضحا أن الأمر لا يتعلق بعملية فردية، بل بسلسلة من العمليات المنظمة.
قافلة محروسة وخطة نقل دقيقة
في اليوم الموالي، دخلت الشبكة مرحلة أكثر تعقيدا. فقد تم إدخال سيارات إلى نفس المنزل، حيث جرى تحميلها بعدد من الأكياس، في عملية تمت تحت مراقبة دقيقة من عناصر الحراسة المنتشرين في الشارع. وما إن غادرت السيارات، حتى ظهرت ملامح خطة النقل، حيث تقدمت دراجة نارية القافلة، يقودها أحد عناصر الشبكة، في دور وصفته الشرطة بـ”المستطلع” أو “اللانثاديرا”، الذي يتكفل باستكشاف الطريق وتفادي الحواجز الأمنية.
توضح المحاضر أن هذه القافلة لم تتحرك بشكل عشوائي، بل وفق خطة دقيقة، شملت تبديل مواقع السيارات أثناء السير، واعتماد طرق فرعية، والحفاظ على تواصل دائم بين السائقين. هذا الأسلوب، الذي يشبه في تنظيمه العمليات العسكرية، يعكس درجة عالية من الاحتراف، ويؤكد أن الشبكة كانت تدرك حجم المخاطر التي تواجهها.
شبكة متعددة النقاط داخل المدينة
لم تتوقف العمليات عند هذا الحد. فقد رصدت الشرطة وصول القافلة إلى منزل ثان، حيث تم إدخال السيارات إلى المرآب، وتفريغ الشحنات داخل المنزل. وتشير المعطيات إلى أن هذا المنزل لم يكن سوى حلقة أخرى في سلسلة التخزين وإعادة التوزيع، ما يعني أن الشبكة كانت تعتمد عدة نقاط داخل المدينة لتفادي تركيز النشاط في موقع واحد.
حريق يقود إلى سقوط الشبكة
التحول الأكبر في التحقيق جاء بشكل غير متوقع، عندما اندلع حريق داخل أحد المنازل المرتبطة بالشبكة في أبريل 2025. هذا الحادث، الذي كان في ظاهره عرضيا، مكّن الشرطة من دخول المكان واكتشاف ما كان مخفياً. داخل المنزل، عثرت العناصر الأمنية على كميات كبيرة من الحشيش، موزعة بين غرف النوم والمطبخ وحتى داخل المجمد، في مشهد يعكس حجم النشاط الذي كان يجري خلف الأبواب المغلقة.
510 كيلوغرامات تكشف حجم العمليات
النتائج كانت صادمة. فقد تم حجز حوالي 510 كيلوغرامات من الحشيش، بقيمة تتجاوز ثلاثة ملايين يورو في السوق بالتقسيط، وهو ما أكد للمحققين أنهم أمام شبكة ذات قدرات مالية ولوجستية كبيرة. كما كشفت هذه العملية أن المنازل لم تكن مجرد نقاط عبور، بل مخازن رئيسية تستقبل وتعيد توزيع الشحنات.
من سبتة إلى أوروبا… مسار تهريب عابر للحدود
وتشير المحاضر إلى أن الشبكة لم تكن تشتغل فقط داخل سبتة، بل كانت جزءا من مسار أوسع يمتد إلى إسبانيا وأوروبا. فالمخدرات التي تدخل المدينة يتم نقلها لاحقا عبر وسائل مختلفة، منها السيارات المعدلة أو القوارب السريعة، نحو وجهات أخرى، ما يجعل من سبتة نقطة محورية في هذه الشبكة العابرة للحدود.
الأنفاق: المرحلة الأكثر تطوراً في التهريب
في ضوء هذه المعطيات، يصبح اكتشاف الأنفاق لاحقا مفهوما أكثر. فالشبكة، التي كانت تعتمد على المنازل والسيارات ونقاط المراقبة، وصلت إلى مرحلة تبحث فيها عن وسائل أكثر سرية وأمانا، وهو ما يفسر الانتقال إلى حفر أنفاق مجهزة بأنظمة نقل متطورة. بمعنى آخر، لم تكن الأنفاق بداية القصة، بل نتيجتها الطبيعية.