إلياس غاني- (صحافي متدرب)
على بعد خطوات من أحد أرقى المجمعات السكنية بمدينة بوزنيقة، الذي ستتركه على يسارك وتنعطف يمينا، تقع المنطقة الصناعية للمدينة، تعود للانعطاف مرة أخرى يمينا لتجد مشهدا أشبه بيوم بعث، الساعة الـ5 صباحا و59 دقيقة، مئات الأشخاص يقفون أمام حاجز وينتظرون انتصاف عقربي الساعة، لينطلقوا كالنحل بين مئات الحافلات، وما هي إلا دقائق وتنطلق الحافلات في صف طويل يشبه سربا من النمل.
هذا المشهد يتكرر مرة كل ثماني ساعات على مدار اليوم والأسبوع والسنة، وهو ليس سوى لحظة انتهاء وردية عمال مصنع، أو "مسلخ"، "للكابلاج"، فكلاهما على وزن مفْعَل، وكلاهما سيئ الذكر. واحد من عشرات المصانع المماثلة في كل المغرب لصناعة وتركيب الأسلاك الكهربائية، إحدى أعمدة الصناعة المغربية، وخاصة صناعة السيارات.
الخطوة الأولى
دخل "تيلكيل عربي" إلى هذا المصنع متخفيا في هوية عامل، ليستمع إلى القصص من أصحابها الأصليين وينقلها لكم كما رُويت. وليعيش من الداخل ذلك الإحساس الذي تحمله هذه القصص.
تشغل هذه المصانع آلاف العمال بدون شروط كبيرة، الشيء الأهم هو موافقتك أنت على "شروط استخدامك". أول ما يستقبل العامل الجديد هو مركز التكوين، الذي يقضي فيه مدة من ثلاثة إلى أربعة أيام، يتلقى فيها تكوينا نظريا وآخر تطبيقيا، ويلقن أولى القواعد ليكون عاملا منتجا ومطيعا.
في هذه الأثناء يستغل المدرب الفرصة، ليحذر المتدرب من خطر سرقة الأغراض الشخصية، وهي ظاهرة تبدأ من سرقة الوجبات إلى سرقة المعاطف وأحيانا -إن وجدت- المجوهرات، يحدث هذا عندما يكسر مجهولون أقفال خزائن مستودع الملابس، ومن ثم يستبيحون ما فيها، بينما تخلي الإدارة مسؤوليتها.
يعيش محسين يومه الأول في التدريب، يستمع للمعلومات باهتمام، ويحرص على تدوينها في مذكرة، بالضبط كما كان يفعل وهو طالب في الحقوق، وبعد اجتياز التدريب، سيحمل على عجل إلى خط الإنتاج.
الأكثر إثارة، غياب البيروقراطية، فالحاجة للعمال أكبر من أي ورقة أو إجراء إداري، يكفي بطاقة الهوية وعقد تمضيه، وها أنت صرت عاملا. "هنيئا"، تقولها لك مسؤولة عن التدريب.
على خط الإنتاج
نترك محسين ونسبقه إلى خط الإنتاج، هو فضاء من الحركة المستمرة. على امتداده تصطف الآلات والعمال، وتتحرك القطع على سير ناقل بإيقاع ثابت، الوجوه محايدة وباردة. كل عامل ينجز جزءا صغيرا من العملية، لتكتمل القطعة في النهاية. العمل، في جوهره، بسيط. ما يثقله ليس تعقيده.
التحدي، هو مسايرة العامل لإيقاع الناقل، لكن إذا ما حدث وتأخر لسبب ما، يتوفر له زر يوقف الناقلة مؤقتا، ليتدارك ما فاته، ثم يكمل الجميع، لكن يمنع، عمليا، استعمال هذا الزر، فبمجرد الضغط عليه، تنطلق صفارة إنذار، وما هي إلا ثوان حتى يحضر الرئيس مطالبا باستئناف العمل، وموبخا العامل على تعطيل الخط، حتى حين يكون سبب التأخر غياب المواد الخام، فالأهم ألا تتوقف الماكينات.
تتراكم القطع أمام العامل، ويترك وحيدا لمواجهة التأخير. عندئذ يصبح مطالبا بتسريع حركته لتعويض ما فاته: قطعة كل 50 ثانية تتحول إلى قطعتين في الزمن نفسه. ومع تراكم 10 قطع أو أكثر، يتحول العمل إلى ضغط متواصل، بين توبيخ المسؤولين واستنزاف الجسد والتركيز.
لغة المأساة
من هنا نبدأ سماع كلمة "تحردت"، وهي الأكثر تداولا في لغة العمال اليومية، ومعناها بلوغ درجة قصوى من الإنهاك الناتج عن العمل المتواصل، علاوة على هذا المعنى فهي تضم معاني مركبة ومتداخلة تخلط بين صراخ الثائر، وأنين ضعيف الحيلة، حتى إن عاملا مصريا هاجر للمغرب بعد فراره من الخدمة العسكرية، تخلص من أي رطانة في محاولته الحديث بالدارجة المغربية بمجرد نطق عبارة "تحردت"، وتتداولها حتى النسوة بالرغم من المعنى القدحي الذي قد يرتبط بالكلمة في سياق آخر. يتداولها العمال ويعقبها صوت ضحكات، يشبه تعاقب أذان صلاة الفجر، تسمعه آتيا من بعيد ولا تميز مكانه. وكأنها سيمفونية حزن تعزف من أصوات تقوس الظهر وألم المفاصل.
التواصل بين العمال داخل خط الإنتاج ممنوع، فبمجرد أن يلمح رئيس الورشة عاملين يتبادلان الحديث لا يتردد في نهرهما، ولا يهم لو كان العمل متوقفا، ينهرهما ما دامت ليست فترة الاستراحة، وهي فترة قصيرة غير كافية لا تتجاوز 20 دقيقة طوال 8 ساعات، و30 دقيقة إضافية إذا امتد العمل لـ12 ساعة.
"أ تكعد أسي"
ينضاف إلى هذا، الوقوف المستمر لساعات طويلة دون استراحة كافية. فهناك إصرار قوي من رئيس الورشة على إجبار العمال على الوقوف طوال ساعات العمل الممتدة من 8 إلى 12 ساعة، دون السماح لهم بالاتكاء بظهورهم لدقيقة، ولا حتى الإسناد باليد لبضع ثوان، لكن بعض العمال لا يستطيعون التحمل وفي لحظة غفلة رؤسائهم، يجلسون في وضع القرفصاء محاولين التقاط أنفاس قصيرة، قبل أن يقوموا بسرعة لاستئناف العمل. الغريب أنه حتى عندما لا يتطلب العمل الوقوف، يجبرون على ذلك.
ومن دون سابق إنذار، يسمع العامل عبارات مثل "أ تكعد أ سي" أو أخرى من قبيل "لبغيتي تبرك سير خدم في البرلمان".
يوفر المصنع سجاجيد مطاطية يقف عليها العامل لتخفيف الاحتكاك مع الأرض، لكن المصنع غير مجهز بالكامل بهذه السجاجيد، فكثيرا ما يقف العمال مباشرة على الأرض الإسمنتية الصلبة، وهو ما يؤثر سلبا على صحة العامل، وإنتاجيته أيضا.
هشام وكابوس "الحريد"
هشام عمل حديثا بالمصنع، لكنه أصيب خلال الأسبوع الثاني له، نتيجة هذا الوقوف المستمر، بالوذمة، حيث انتفخت قدمه بشكل مخيف، وتحولت إلى كتلة ضخمة من الجلد مليئة بالسوائل، حدث له هذا بسبب تجمع الدم أسفل الجسم بفعل الجاذبية. رفضت ممرضة المصنع استقباله، وأشعرته بضرورة التوقف عن العمل حالا وزيارة الطبيب بينما لم يتكلف المصنع بعلاجه. وبالفعل زار الطبيب، الذي وصف له دواء ونصحه بالراحة لمدة ثلاثة أيام، وعندما عاد للمصنع، عاودته الحالة المرضية مجددا وبشكل أكثر حدة.
هشام انقطع عن الدراسة، وعمل سابقا في مصنع محلي بدون عقد "نوار"، كان يعمل 12 ساعة يوميا مقابل 2000 درهم شهريا، وكانت مهمته عالية الخطورة، حيث كان يتعامل مع مسدس صناعي لتثبيت القطع، وأي حركة خاطئة يعني تثبيت المسمار في يده لا في المنتوج. يقول إن"الكابلاج" أرحم من عمله السابق، غير أنه يتطلع للمستقبل ويأمل استكمال دراسته والحصول على الباكالوريا في الآداب.
"ساكنين في لوزين"
فترة العمل التي تمتد لـ12 ساعة لا تستهلك الجهد الجسدي فقط، بل تبتلع الزمن الشخصي للعامل بالكامل. إذ يصبح مرتبطا بكامل كيانه بالمصنع.
وإذا أضفنا وقت الاستعداد للعمل والتنقل ذهابا وإيابا، يأخذ هذا إجمالا على الأقل 15 ساعة من يوم العامل، وبحساب ساعات نومه، فهو يفقد حرفيا الشعور بالحياة، مهمته تتلخص فقط في العمل والاستعداد للعمل، ومن ثم العمل والاستعداد للعمل، في دوامة لا تنتهي.
يمكن التقاط السخط الجماعي بسهولة، جمل صادرة عن عامل في حديث مع صديقه من قبيل: "ولينا ساكنين في المصنع كنمشيو غانعسو في الدار" أو "حالنا كيف الجن ندخلو في نهار ونخرجو في نهار آخر".
ويحرم بعض العمال من إجازة نهاية الأسبوع، في مخالفة لما ينص عليه قانون الشغل الذي يلزم باستفادة المستخدم من راحة لـ24 ساعة متصلة على الأقل مرة كل أسبوع.
سفر إلى الحمام
لـ"زيارة" الحمّام أو عيادة الممرضة يتعين على العامل أن يعلن عن رغبته قبل دقائق تسبق ذهابه الفعلي، وتخضع هذه العملية لبيروقراطية من أجل إبقاء العامل أمام لوحته، يخيط أسلاكا لا تنتهي. بحيث يقدم العامل "طلبه" لمسؤوله الأول، وينتظر لدقائق قبل أن يعلم الأخير رئيس الورشة، الذي يمنحه بطاقة، بمثابة جواز سفر يسافر به العامل لقضاء حاجته، وبدونها سيعترض طريقك أحد حراس الأمن بمجرد ما تخرج من باب الورشة، وهم سليطو اللسان، بلباس أسود يعكس فظاظتهم، وفي النهاية على العامل ألا يتأخر، لأن هذا يعني إدراجه في "اللائحة السوداء"، وهو ما يجعل طلبه المستقبلي للذهاب للحمام أو غرفة الممرضة معقدا.
تحت وطأة الكلمات القاسية
على متن حافلة نقل المستخدمين، تقول آية وهي تحكي لصديقاتها عن يومها، "لو كانت على الخدمة؛ بنادم يصبر، هانية، ولكن أصحبتي السب، كيحقدوك". آية عاملة مسؤولة عن التموين، ما يجعلها تتنقل بين الخطوط وتلتقط ما يحدث، تحكي دائما لصديقاتها عن حالات حضرتها لتعريض العمال للسب، ذات مرة وجهت رئيسة الورشة لعامل بعد ارتكابه خطأ، كلاما نابيا لا يمكننا نقله، "مالك واكل(...)"، أو "خدم ولا سير (...)".
العنف اللفظي يكاد يكون ممارسة ممنهجة، فهو يستقبل العامل خلال كل لحظاته داخل المصنع.
رحيمو غادرت العمل في المصنع بعد أسبوع فقط على اشتغالها بسبب تعرضها للعنف اللفظي، وهي امرأة في الأربعين، قسماتها ذابلة تداريها بابتسامة جافة، زوجها مريض، وهي المعيل الوحيد لأسرة تتكون من فردين آخرين.
وجدت رحيمو نفسها هي وأسرتها بلا مدخول، بعدما أوقفت السلطات عملها كمعلمة في روض غير مرخص.
واجهت رحيمو صعوبة في تعلم مهارات العمل الجديد، ما جعلها عرضة لتوبيخ مستمر من رؤسائها في العمل. استدعتها رئيسة الورشة عدة مرات إلى ما يشبه مجلسا للتأديب، وهناك أجهشت في البكاء حيث كانت في حالة نفسية صعبة، توعدتها رئيستها بالانتقام منها بداية من الأسبوع المقبل، وفي لحظة، قررت ترك كل شيء، والاستسلام للفقر، على الاستسلام لرؤسائها "عديمي الرحمة" حسب وصفها.
سماعات تحت الرقابة
استعمال الهاتف ممنوع، لأي غرض كان، حتى لو كان للاطمئنان على صحة أمك المريضة، هذا ما حدث لعامل قادم من منطقة جبالة شمال المغرب، ليشتغل في شيء غير الكيف، فقد صودر هاتفه، وتم استدعاؤه للتوبيخ.
حتى الاستماع للموسيقى لتخفيف الشعور بطول الوقت ممنوع بشكل عام على العمال، باستثناء من يكون مسؤوله المباشر في خط الإنتاج متفهما ولا يبلغ عنه، بشرط أن يكون بعيدا عن أنظار رئيس الورشة، وفي هذه الحالة يمكن سماع الموسيقى باستعمال سماعة لا سلكية يضعها في الأذن من الجهة غير المقابلة للممر الرئيسي، أما من يضبط وفي أذنه سماعة، فتصادر ويتم توبيخه.
لكن بعض الفتيات يلجأن لحيلة للتغلب على هذا الحظر، فيرتدين الحجاب، ويضعن السماعات بحيث لا يلاحظهن أحد.
صفاء.. من مطار محمد الخامس إلى مطار بيكين مرورا "بالكابلاج"
صفاء شابة في العشرين، تدرس الأدب الإنجليزي بجامعة الحسن الثاني، صاحبة حضور مرح وشعر بني يذكر بفتيات الجنوب الفرنسي، اضطرت لتغطيته من أجل الاستمتاع بنغمات موسيقاها المفضلة، تعلق على هذا الوضع ساخرة عندما تقول: "نعم أنا منافقة".
قصة صفاء مختلفة، فوالداها يوفران لها حياة مريحة، والعمل في "الكابلاج" لم يكن دافعه حاجة إلى المال، وإنما لكسب تجربة حياتية مختلفة، قبل سفرها للصين لاستكمال دراستها في الاقتصاد، تقول "كنت أعلم بصعوبة العمل في مصنع "الكابلاج"، لكن رغبتي في الاحتكاك بهذا العالم، قادتني إلى هناك".
لم تدم مغامرتها طويلا فبعد ثلاثة أسابيع غادرت المصنع، بسبب حادثة مع رئيستها، حين تغيبت لحضور جنازة جدتها، فكذبتها واستهترت بمشاعرها، تروي صفاء هذه القصة بكثير من التأثر وهي تصف ما حدث بـ"اللا إنساني".
تشتغل صفاء الآن في إدارة أحد الفنادق بالدار البيضاء براتب 8 آلاف درهم، وهي سعيدة جدا بعملها، وتستعد للسفر بعد سنة.
هناك من يستعد بدوره للسفر، على غرار حالة صفاء، لكنه يعمل لتوفير تكاليف هذا السفر، وهي حالة زينب التي تدرس التسيير بجامعة محمد الخامس، لكنها طالبة شبح، تعمل وهدفها جمع المال والسفر إلى ألمانيا لدراسة التمريض والعمل هناك.
"طمعونا"
تحقق هذه المصانع في كل المغرب رقم معاملات بمئات ملايين الأوروهات سنويا، حتى إن قيمة "قمامة" المصنع تعتبر في حد ذاتها ثروة.
ما يصنع ذو قيمة مضافة عالية، والمصنع يتعامل مع شركات دولية ويصدر منتجاته إلى الخارج، خاصة بريطانيا وفرنسا. إلا أن بعض العمال يشتغلون أحيانا بأجور دون الحد الأدنى القانوني.
من بينهم مصطفى، وهو اسم مستعار حفاظا على "رزقه" على حد تعبيره، يعمل بالمصنع منذ ما يقرب من العام، يتقاضى "2500 درهم وهو أقل من الأجر المفترض في عقده، والبالغ 3200 درهم"، وعندما حاول تقديم شكوى، قيل له إنه لا يملك حق الشكوى، لأن من في حالته، أي المرتبطون بعقود "أنابيك"، محرومون من ممارسة العمل النقابي.
وكان مصطفى قد قدم للعمل في بوزنيقة من قرية بنواحي خريبكة، حيث غادر الجامعة دون شهادة، وآثر العمل لجمع المال كي يهاجر إلى خارج المغرب على خطى أبناء قريته.
رد الشركة
ربطنا الاتصال بالمصنع، وتحديدا قسما التواصل والموارد البشرية، لتقديم توضيحات حول ما رصدناه، إلا أنهم رفضوا، بعد المماطلة، تقديم أي رد.
وختاما وخلال محاضرة ألقاها بكلية الآداب بالمحمدية، قبل سنة، أشاد رياض مزور وزير الصناعة بالعامل المغربي، واصفا إياه بمصدر جذب للمستثمرين الأجانب، "لأن المغربي لا يزال يقبل العمل بلا شروط لتعويض سنوات الفقر"، في حين وصف العامل الأوروبي بأنه "مدلل ومتطلب"، لكن ما اعتبره الوزير قيمة يراه العامل على خط الإنتاج جحيما يوميا.
المفارقة أن هذه الشروط تطبق على المغاربة وحدهم، بينما تمتع نفس المصانع في الدول الأوربية العمال بظروف عمل أفضل، وعند حضور مسؤولين من الشركة الأم إلى المصنع، يتغير سلوك رؤساء الورش فجأة، ويصبح مهنيا ومحترما، وتغيب الصرخات وتحضر الابتسامات، قبل أن تعود الأمور إلى "نصابها" بعد انصرافهم. يعتقد المسؤولون أنهم بهذا يحسنون الإنتاج، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فهم يدفعون العامل نحو اللامبالاة بجودة ما يصنع، هذا يؤدي إلى ورود شكايات كثيرة من المستوردين الدوليين حول رداءة المنتجات، كما وقفنا على ذلك خلال إنجاز هذا التقرير.
الأمر لا يقتصر على الجودة فحسب، بل يمتد إلى سلامة البشر، فهذه المصانع تضم صناعات حساسة للغاية، كالفرامل، فأي تهاون من العامل يعني وفاة شخص في جزء من هذا الكوكب، هذه الحقيقة تبرز ثقل المعاناة اليومية للعمال، وتضع علامة استفهام كبرى حول مفهوم "القيمة" الذي يتحدث عنه المسؤولون.