بدت الهدنة بين إيران والولايات المتحدة على وشك الانهيار مساء الأربعاء، مع تهديد طهران باستئناف الأعمال العدائية بعد الضربات الإسرائيلية المميتة على لبنان.
وحض نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إيران الأربعاء على عدم السماح بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان، قبل أيام من قيادته محادثات مع طهران في باكستان.
وقال لصحافيين "إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار... بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها والذي لم تقل الولايات المتحدة يوما إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها".
وقتل 182 شخصا على الأقل وأصيب أكثر من 890 آخرين بجروح الأربعاء في حصيلة رسمية غير نهائية، جراء عشرات الغارات الإسرائيلية المتزامنة على مناطق عدة في لبنان بينها بيروت.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ "أكبر ضربة منسقة" ضد حزب الله منذ اندلاع الحرب، مؤكدا أنه استهدف "مئات" من عناصر الحزب الموالي لإيران، بينهم قائد ميداني.
وشنت إسرائيل الغارات على بيروت من دون إنذار مسبق. وكان السكان يركضون في الشوارع بينما أطلق سائقون أبواق سياراتهم لإفساح المجال أمام سيارات الإسعاف والإطفاء للوصول الى الأحياء المستهدفة.
من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الأربعاء إن وقف إطلاق النار في لبنان هو "من الشروط الأساسية" في خطة طهران المؤلفة من عشر نقاط والتي تشكل أساس الهدنة مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلت عنه وكالة أنباء الطلبة الإيرانية "إيسنا".
من جهته، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظيريه الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بيزشكيان الأربعاء على ضرورة أن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لبنان، وهو "شرط أساسي" لكي يكون الاتفاق "مستداما".
لكن رغم توقف القصف الإسرائيلي-الأميركي على إيران بعد نزاع استمر 39 يوما وأوقع آلاف القتلى، غالبيتهم في إيران ولبنان، لم تنعم المنطقة بعد بالهدوء، وما زال الغموض يكتنف بنود الاتفاق.
وكانت باكستان، الوسيط في اتفاق وقف إطلاق النار، دعت الأطراف إلى "ضبط النفس" بعد الغارات العنيفة التي شنتها إسرائيل في لبنان، والهجمات الإيرانية الجديدة على عدد من دول الخليج.
وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف "تم الإبلاغ عن انتهاكات لوقف إطلاق النار في عدد من الأماكن عبر منطقة النزاع، ما يقوض روح عملية السلام".
ومن المقرر أن يلتقي ممثلو الطرفين السبت في إسلام آباد للتفاوض على تسوية للحرب، تتجاوز هدنة الأسبوعين التي تم إقرارها ليل الثلاثاء-الأربعاء، في ربع الساعة الأخير قبل انتهاء مهلة الإنذار التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
"مروع"
وقال ياسر عبد الله الذي يعمل في متجر للأجهزة الكهربائية في منطقة قريبة من موقع تعرض للقصف في العاصمة اللبنانية، في تصريح لوكالة فرانس برس "شاهدت إحدى الضربات، كانت قوية جدا، قتل أطفال، وآخرون بترت أذرعهم".
وأثارت هذه الهجمات موجة إدانات، من الأمم المتحدة إلى العراق مرورا بالأردن.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن حجم القتل في الضربات الإسرائيلية على لبنان الأربعاء "مروع"، داعيا المجتمع الدولي إلى المساعدة في إنهاء "الكابوس" المتفاقم.
وأعلنت الحكومة اللبنانية الخميس يوم حداد وطني على ضحايا الغارات الاسرائيلية.
من جهته، أكد حزب الله الأربعاء حقه بـ"الرد" على اسرائيل، علما أنه لم يعلن شن أي هجمات ضد إسرائيل منذ إعلان وقف إطلاق النار.
وهدد الحرس الثوري الإيراني الأربعاء الولايات المتحدة وإسرائيل بالرد على "مجزرة وحشية في بيروت".
وكان شريف قال إن وقف إطلاق النار يسري "في كل مكان"، بما في ذلك لبنان، ما نفاه ترامب.
وفي تطور من شأنه أن يسهم في إضعاف الهدنة أكثر، قال مسؤول أميركي الأربعاء إن خطة وقف إطلاق النار المؤلفة من عشر نقاط التي نشرتها إيران ليست مجموعة الشروط نفسها التي وافق عليها البيت الأبيض لوقف الحرب.
وكانت وسائل إعلام إيرانية رسمية نشرت خطة من عشر نقاط تنص من بين بنود أخرى على مواصلة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز ورفع العقوبات الدولية المفروضة على البلاد و"القبول" بتخصيب اليورانيوم.
من جهته، أبدى ترامب انفتاحه على "البحث" في "رفع (...) العقوبات" التي تخنق الاقتصاد الإيراني، لكنه شدد على أنه "لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم".
وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على أن الهدنة لا تعني "نهاية الحملة" ضد إيران، وقال "نحن على استعداد للعودة إلى القتال في أي لحظة إذا لزم الأمر".
في الأثناء، أعلنت الشرطة الإسرائيلية أن المواقع المقدسة للديانات التوحيدية الثلاث في القدس سيعاد فتحها الخميس.
ارتياح في الأسواق
بعدما اشتدت الضربات وتصاعدت تهديدات ترامب بـ"القضاء على الحضارة الإيرانية"، جاء إعلان الهدنة ليلا في إيران.
وقالت سيمين البالغة 48 عاما وهي مدر سة في طهران، لفرانس برس "ما زلت أعاني آلاما بسبب الخوف".
في الخليج، ما زال الحذر سيد الموقف، مع مواصلة إيران هجماتها الانتقامية في الكويت والإمارات.
وقالت طهران إنها ردت على ضربات شنتها إسرائيل ضد منشآت نفطية إيرانية بعد سريان الهدنة.
وأوردت صحيفة فايننشال تايمز، أن هجوما بمسيرة استهدف خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب المعروف ببترولاين في السعودية.
وفي العراق، حذرت السفارة الأميركية رعاياها من أن فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران قد تنفذ "هجمات إضافية" ضد المصالح الأميركية.
ورغم كل ذلك، انعكس الإعلان عن إعادة الفتح التدريجي لمضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، ارتياحا في الأسواق العالمية، تجل ى في تراجع أسعار النفط وارتفاع أسواق الأسهم.
وتمكنت سفينتان على الأقل من عبور مضيق هرمز وفقا لبيانات موقع "مارين ترافيك" لتتبع حركة الملاحة البحرية.
مع ذلك، قررت شركات شحن بحري كبرى عدم المخاطرة بعبور المضيق في حين ما زالت أكثر من 800 سفينة متوقفة في الخليج.
وفي وقت لاحق، أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني الخميس أن السفن التي تمر عبر مضيق هرمز يجب أن تسلك طريقين بديلين قرب الساحل الإيراني، مشيرة إلى احتمال وجود "ألغام" على الطريق المعتاد.