المقاولات الصغيرة جدا تنفي تمثيلها من طرف الاتحاد العام لمقاولات المغرب

خديجة قدوري

رفضت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة الادعاءات التي ساقها يوسف العلوي، رئيس الفريق البرلماني للاتحاد العام لمقاولات المغرب (الباطرونا)، في تصريح نشر بتاريخ 5 أبريل الجاري، حول تمثيل الاتحاد للمقاولات الصغيرة جدا بمجلس المستشارين، مؤكدة على مطالبها بالحصول على تمثيلية مؤسساتية دائمة للدفاع عن مصالح هذه الفئة.

المقاولات الصغيرة مهمشة رغم كل الادعاءات

وأشارت إلى أن الباطرونا دخلت بتوجيهات ملكية سنة 1995 بطموح التغيير من الداخل، حيث إنه تم في العام نفسه، وبتوجيهات من الملك الحسن الثاني رحمه الله، الذي دعا إلى انفتاح الاتحاد العام لمقاولات المغرب على المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، توجيه دعوة من طرف المرحوم عبد الرحيم الحجوجي، رئيس الباطرونا آنذاك، لعقد اجتماع داخل مقر فيدرالية جمعيات المقاولين الشباب بالمغرب التي تم تأسيسها سنة 1995، مع حثهم على الانخراط في الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

وأضافت أنه تمت الاستجابة لهذه الدعوة، وجرى الانخراط وتأسيس فيدرالية المقاولات الصغرى والمتوسطة داخل الباطرونا، بتطلعات كبيرة وأمل صادق في تغيير المؤسسة من الداخل وجعلها تمثل فعليا جميع المقاولين المغاربة كبارا وصغارا، غير أنه تم الاصطدام بواقع صارم مفاده أن الاتحاد العام لمقاولات المغرب لا يقبل التغيير ولا يسمح بالتطور، ما أدى إلى الانسحاب بعد سنة ونصف فقط، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من داخل مؤسسة مغلقة بنيويا على نفسها، حسب وصفها.

وأوضحت أن الاتحاد العام لمقاولات المغرب تأسس سنة 1947 من طرف المقاولين الفرنسيين، في مرحلة كان فيها المقاولون المغاربة محرومين من الانخراط فيه، مضيفة أنه بعد مغادرة المستعمر، حافظت البنية الداخلية لهذا الاتحاد على نفس المنطق التأسيسي، باعتباره مؤسسة الكبار ولصالح الكبار وتدار من قبلهم، في وقت لا تزال فيه المقاربة تحمل إرثها الإقصائي، الذي يتجلى أساسا في استبعاد 97 في المائة من المقاولات من الهياكل التي تقرر داخل وخارج الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

وأبرزت أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المغرب، الذي احتفل منذ أمد بعيد باستقلاله السياسي، لم ينجز بعد استقلاله الاقتصادي التمثيلي، إذ لا تزال الأغلبية الساحقة من مقاولاته، أي 97 بالمائة من نسيجه المقاولاتي، بدون صوت داخل المؤسسات التشريعية التي تصنع القوانين المؤطرة لنشاطها، وكذلك داخل المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية التي تُوضع فيها السياسات الاقتصادية الوطنية.

ولفتت الانتباه إلى أن الدراسة الوطنية الأخيرة، التي أجرتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، تظهر وجود أكثر من 4 ملايين مقاولة صغيرة جدا، أي ما يمثل 97 بالمائة من مجموع المقاولات المغربية، توفر أكثر من 83 بالمائة من فرص الشغل الخاص في المملكة وتساهم في الحفاظ على السلم الاجتماعي.

 وأوضحت أن ما وصفته بادعاء العلوي بأن 90 بالمائة من أعضاء الاتحاد ينتمون إلى هذه الفئة لا يجيب عن السؤال الجوهري: كم مقاولة صغيرة جدا منخرطة فعليا في الاتحاد العام لمقاولات المغرب؟ الجواب واضح: بضعة آلاف في أحسن الأحوال، مقابل أكثر من أربعة ملايين خارج أسواره، فإلى أي تمثيلية يشيرون؟

تمثيلية مفقودة للمقاولات الصغيرة

وأضافت الكونفدرالية أن دراستها كشفت أن المعيق الأساسي لتطور هذه المقاولات ليس ضعف قدراتها الذاتية، بل انعدام ملاءمة المنظومة الاقتصادية والإدارية والمالية الحالية، التي تجعلها تعاني من إقصاء ممنهج من آليات التمويل، والصفقات العمومية، وآجال الأداء، والعقار، والتأخر في الأداء، بالإضافة إلى تحديات الرقمنة والتكوين، ما يعيق إمكاناتها في النمو والمنافسة.

واستطردت قائلة إن هذه الحقائق تدفعنا إلى طرح أسئلة جوهرية على العلوي، التي تستوجب إجابات واضحة أمام الرأي العام: إذا كان اتحادكم يضم 90 بالمائة من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة كما تدعون، فأين كان فريقكم البرلماني عند تمرير قانون المالية لسنة 2023 الذي رفع العبء الضريبي على هذه الفئات من 10 إلى 20 بالمائة؟ أم أنكم في المقابل طالبتم بتخفيض الضريبة على المقاولات الكبرى من 30 بالمائة إلى 20 بالمائة، وتركتم المقاولات الصغيرة تتحمل فارق 10 نقاط؟

وأضافت: أين كنتم حين تم تأجيل تفعيل دعم الاستثمار لفائدة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة لمدة ثلاث سنوات بعد صدوره سنة 2022، في حين استفادت المقاولات الكبرى منذ السنة الأولى لصدور ميثاق الاستثمار ومازالت تستفيد من مبالغ ضخمة جدا؟ هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل تعكس الحاجة الملحة لإعادة النظر في التمثيلية الاقتصادية وضمان صوت فعلي للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة داخل المؤسسات التشريعية والاقتصادية.

وأشارت إلى أنه لم يصدر عن الاتحاد أي موقف أو اعتراض حين صدر مرسوم دعم الاستثمار لسنة 2025، الذي أقصى 97 بالمائة من النسيج المقاولاتي المغربي من الاستفادة عبر فرض شروط تعجيزية على المقاولات الصغيرة جدا، مثل اشتراط استثمار لا يقل عن مليون درهم أو رقم معاملات يفوق مليون درهم، رغم أن هذا الدعم كان مخصصا أصلا للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة على الورق.

وأضافت قائلة: أين كان الفريق البرلماني المفترض أن يمثل جميع المقاولات عند عدم تفعيل القانون الذي يخصص 20 بالمائة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة؟ في المقابل، بادرت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بدون أي تمثيلية برلمانية، بعقد عدة اجتماعات مع وزيرة المالية الحالية بهدف الحصول على المراسيم التطبيقية التي تضمن استفادة هذه المقاولات من حصتها المحددة في 20 بالمائة من الصفقات العمومية.

وشددت على أن التساؤلات حول موقف الاتحاد العام لمقاولات المغرب تظل حاضرة وملحة: ولماذا لم تمارسوا أي ضغط على الحكومات المتعاقبة منذ 2013 لإصدار المراسيم التطبيقية الضرورية لتفعيل القانون الذي يمنح 20 بالمائة  من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى؟ وأين كان صوتكم في وقت تغلق فيه مقاولة صغيرة جدا كل عشر دقائق؟

وأضافت: وأين أنتم من ضحايا البرامج الحكومية التي لم تنفذ بنودها الخاصة بالمواكبة والدعم، ولم تراقب نتائجها، رغم توقيع رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب في 27 يناير 2020 أمام الملك محمد السادس بالقصر الملكي على التزامات لدعم ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا أقل من 5 سنوات وحاملي المشاريع المستفيدين من برنامج "إنطلاقة"، دون أن تترجم هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع؟

تمثيلية ناقصة.. والمقاولات الصغيرة خارج القرار

وفي ردها على احتجاج العلوي بالإطار القانوني الواضح للتمثيلية، ذكرته بأن القانون أداة لخدمة العدالة وليس لتكريس الامتيازات التاريخية. فالمادة الأولى من الدستور المغربي تنص على مبدأ المساواة والمشاركة في التدبير العمومي، كما أن المادة 36 تحذر صراحةً من كل أشكال الريع والاحتكار التمثيلي.

وأضافت أن الإطار القانوني القائم، إذا كان يحرم 97 بالمائة من المقاولات من تمثيلية مباشرة في مجلس المستشارين الذي يضم دستوريا ممثلين لمنظمات أرباب العمل، فهو نفسه ما يستوجب المراجعة، لا أن يستشهد به لحماية الوضع الراهن. والمطالبة بتعديله ليست خروجا على الشرعية، بل هي جوهر الممارسة الديمقراطية.

وأشارت إلى أنه إذا كان العلوي يؤكد أن فريقه يدافع عن مصالح جميع المقاولات، فإن ذلك يفرض عليه تقديم إجابات واضحة أمام الرأي العام على أسئلة ملموسة، أبرزها: لماذا لا تزال المقاولات الصغيرة جدا مقصية من الصفقات العمومية لسنوات رغم وجود قانون يمنحها 20 بالمائة من مجموع هذه الصفقات، ولماذا تتجاوز آجال الأداء لصالحها 120 يوما بينما تختنق خزائنها وتتعرقل مشاريعها؟

وأوضحت أن التساؤلات الجوهرية تبقى قائمة: لماذا تغيب هذه المقاولات كليا عن المجالس الإدارية لبنك المغرب ومكتب التكوين المهني وسائر مصالح الضرائب ومغرب المقاولات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمؤسسات العمومية الأخرى التي تصنع السياسات الاقتصادية؟ ولماذا يتصاعد معدل الإفلاس في صفوف هذه المقاولات بنسبة مقاولة صغيرة جدا كل عشر دقائق، رغم كل الحديث عن الدفاع المزعوم عنها؟.