حوار.. رشيد فكاك: السينما المغربية تعاني من اختلالات هيكلية

تيل كيل عربي

حاوره: إلياس غاني (صحافي متدرب)

إذا تحدثنا عن تاريخ السينما أو المسرح المغربي، نذكر مباشرة رشيد فكاك، بصفته مخرجا وممثلا، وأكاديميا، اشتغل، طوال عقود في جامعة الحسن الثاني، أستاذا في المسرح والسينما، حيث كون خلالها أجيالا من الطلبة.

على هامش مهرجان الطالب للفيلم الوثائقي الذي احتضنته، نهاية الأسبوع الماضي، مدينة المحمدية، حاوره "تيلكيل عربي"، إذ وضع أصبعه كأكاديمي على مكمن الداء في المنظومة السينمائية؛ فانتقد غياب التخصصات الدقيقة في الجامعات، وشرح عقبات الإنتاج الوطني، وصولا إلى كشف تفاصيل فيلمه الروائي الطويل "أرض الملائكة"، الذي يطمح من خلاله لكسر عزلة القاعات السينمائية، والوصول إلى ملايين الشباب في القرى والمداشر، برؤية بيداغوجية مغايرة.

على هامش حضورك لمهرجان الطالب للفيلم الوثائقي، قدمت "ماستر كلاس" لفائدة الطلبة، ماذا كان موضوعه؟

قدمت "ماستر كلاس" لفائدة طلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، وأنا من مؤسسي ماستر الدراسات المسرحية بالكلية، وقد اقترحت معالجة القضية الكبرى لبلدنا، وللجامعة والشباب بطبيعة الحال، وهي مسألة "صناعة الثقافة" في المغرب بشكل عام، وصناعة السينما والسمعي البصري والتلفزيون بشكل خاص.

هذا الموضوع يكتسي أهمية بالغة، لا سيما في ظل التطورات الرقمية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وكيفية ترتيب كل ذلك في مشهدنا الثقافي.

أحاول من خلال هذا اللقاء مع الطلبة، وضع تشخيص لما أسميه "الاختلالات الهيكلية" في صناعة السينما خاصة، والثقافة عامة، وهي اختلالات تمس كافة الجوانب، بما فيها المؤسسات الجامعية.

أين تتجلى هذه الاختلالات الهيكلية على مستوى الجامعة والتكوين الأكاديمي المتعلق بالسينما؟

أركز على مستويين، الأول يخص "السيناريو". فالسينما، سواء كانت قصيرة أو طويلة، تتطلب دراسات معمقة حول السيناريو. فهذا المجال يجب ألا يُترك لأي كان؛ بل هو مسألة تكوين وخبرة. ومن الضروري أن يعرف الطلاب المغاربة أن السيناريو هو كيان سينمائي يجمع بين الأدب والتقنية، وله وجهان. لذا من المهم أن يدركوا التقنيات بالإضافة إلى ما يُسمى السيميائيات والسرديات التي تُدرس في الجامعات. لكن السيناريو ليس مادة أدبية حصرا، بل له بُعد تقني يوجه أساسا للمخرج، لمدير التصوير، لإدارة الإنتاج، وللمنتجين. لذا، فإن عدم تدريسه في الجامعة يعد خللا كبيرا.

في الأوساط العالمية المتطورة سينمائيا، هناك فرق شاسع بين مؤلف السيناريو (السيناريست) ومن يكتب الحوار؛ فهما عالمان مختلفان. في الولايات المتحدة، مثلا، المنتجون لا يطلبون سيناريو فقط، بل يستعينون بمتخصصين لصياغة الحوارات بناء على القصة، الشخصيات، والسوق المستهدف (سواء كان فيلماً تاريخياً، درامياً، بوليسياً، للشباب أو للأطفال). فالحوار يجب أن يصمم حسب الجمهور، وهو أمر لا ندرسه للأسف في كليات الآداب، رغم وجود ماسترات في الترجمة. لذا أرى أنه يجب أن يدرس الحوار السينمائي أو التلفزيوني كفن مستقل في هذه الماسترات.

وماذا عن المستوى الثاني الذي ذكرتموه؟ هل يتعلق الأمر بالجانب الاقتصادي والقانوني؟

تماما، النقطة الأخرى تتعلق بالتعليم والبحث العلمي في كليات العلوم الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والسياسية. إذ لا يوجد بحث يتعلق بصناعة الثقافة، والفنون الحية، وقاعات المسرح والسينما في هذه الكليات. مثلما لا توجد بحوث، ولا ماستر، ولا إجازة تميز. ربما ظهرت مؤخرا دكتوراه أو اثنتان حول السينما، ولكن ليس بمنطق "السوق" والصناعة.

فعلى الأقسام الاقتصادية أن تواكب ما يحدث على مستوى الإنتاج والاستثمارات. قانونيا، أدعو الطلاب إلى الاطلاع على قانون السينما، والعقود المبرمة بين المنتج والعاملين في الفيلم (ممثلون أو تقنيون). هناك ضرورة لدراسة السينما بمنظور اقتصاد السوق: لمن نتوجه؟ وكيف نجد التمويل؟ هل هي أموال عمومية أم خاصة؟ أعتقد أن توفر أبحاث جامعية حول البعد الاقتصادي والعقود سيوضح ما يحدث، وسيجعل الشباب المغاربة المتخصصين في الاقتصاد أو القانون يساهمون بشكل فعال عند دخولهم هذا السوق الذي يعاني من اختلالات.

بالحديث عن التمويل والاستثمار، كيف تقيمون آليات دعم الإنتاج السينمائي في المغرب؟

في التجربة المغربية، يجب دراسة وتحليل تجربة المركز السينمائي المغربي (CCM). بالنسبة إلي، من الجيد جدا اعتبار صندوق المركز السينمائي بمثابة "تسبيق على المداخيل"، فهو استثمار عمومي تشاركي مهم في اقتصاد الثقافة. لكن هذا الدعم لا يعطى للجميع.

هنا نأتي للاستثمار الخاص، وهو مكمن الخلل الكبير في المغرب؛ إذ يغيب تماما الاستثمار الخاص وآلياته. وعندما أتحدث عن الأبناك، فإني أستند بشكل ملموس إلى واقع تجربتي الشخصية في فيلمي، حيث تواصلت مع بنكين على الأقل، وكانت النتيجة "كارثة". لقد جردوني اقتصاديا كمنتج "صغير" (epsilon) من خلال الغرامات وغيرها. أرى أنه من المهم سن قوانين على المستوى البرلماني تدافع عن الإنتاج وتحميه لكي يترسخ وينمو، لا أن تكون نهايته بمثابة "انتحار"، لأن صناعة فيلم في هذه الظروف هي بمثابة تحد وتضحية يُستهلك فيها كل شيء.

أنهيت فيلمك الطويل "أرض الملائكة". ما قصة هذا العمل؟ وكيف تنوي ترويجه؟

فيلمي الجديد "أرض الملائكة" (Terre des anges) هو عمل ذو حمولة تاريخية، هوياتية، وعالمية قوية. يبرز الفيلم الإسهام الكبير للجنود المغاربة في تحرير أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، لاسيما في مواجهة النازية، تحت الرؤية والسياسة المستنيرة للملك محمد الخامس. من خلال هذه اللوحة الإنسانية، تتناول القصة تيمات عميقة مثل الذاكرة، التوارث، التضحية، والهوية، بمشاركة ممثلات وممثلين ذوي مواهب عظيمة.

وقد استفاد المشروع من دعم مؤسساتي ملحوظ، لا سيما من خلال تسبيق على المداخيل من المركز السينمائي المغربي بقيمة ثلاثة ملايين ونصف مليون درهم، لم أستفد حتى اليوم سوى من ثلاثة أرباعه. فضلا عن شراكة مهيكلة مع الشركة الملكية لتشجيع الفرس (SOREC)، أتاحت تعبئة خيول بربرية مدربة، وفرسان محترفين، وأطر تقنية متخصصة لتصوير الفيلم.

ورغم أن الفيلم جاهز وينتظر خروجه إلى القاعات السينمائية، إلا أنني لا أنطلق من النظرية فقط بل من الممارسة. ذلك أنه بموازاة عرضه في القاعات، أطمح، بدعم من المؤسسات الجامعية والجمعوية، لأن يصل الفيلم إلى أكبر عدد من الشباب (تلاميذ الإعدادي والثانوي والطلبة) تحت إشراف أساتذتهم. بل إني أفكر في تقديمه كأداة بيداغوجية، مصحوبة بدروس احترافية وورشات متخصصة حول المسرح، السيناريو، الحوارات، والذكاء الاصطناعي، أقدمها شخصيا.

وأستغل هذه الفرصة لاقتراح مشاهدة ودراسة فرصة اقتناء مسبق، أو إنتاج مشترك، أو شراكة حول الفيلم.

هل ترى أن التركيز على الشباب والمناطق خارج القاعات السينمائية هو المدخل لتجاوز أزمة الصناعة الثقافية؟

بكل تأكيد. آمل أن تكون هناك استراتيجية لا تقتصر فقط على القاعات السينمائية، لأن رواد القاعات اليوم هم أقلية من المغاربة تملك الإمكانيات. لكن الكتلة الكبرى مكونة من ملايين التلاميذ والطلبة في المدن والقرى حيث لا توجد قاعات أصلا. وحتى عند توفرها، فإن الذهاب كعائلة لمشاهدة فيلم يطرح إشكالية مادية كبيرة.

أنا مغربي وأفكر في الجانب الاجتماعي، أفكر في مواطنيّ؛ صناعة الثقافة في المغرب يجب أن تكون برؤية اقتصادية، ولكن اجتماعية أيضا.