لائحة التزكيات وسؤال الديمقراطية الداخلية في حزب العدالة والتنمية

تيل كيل عربي

بقلم: طارق الوردي

(تعليق هادئ مع مسافة زمنية ومكانية)

ما إن ظهرت نتائج تزكيات حزب العدالة والتنمية للانتخابات التشريعية (شتنبر 2026)، حتى تباينت ردود فعل المتتبعين والمنتسبين، بين الرضى وعدمه، وهذا طبيعي؛ فعند لحظة الانتظار يكون الإحباط أو الانتصار.

حزب العدالة والتنمية بين منطق الفكرة ومنطق التنظيم:

تختلف الأحزاب السياسية من حيث تصنيفها إلى أحزاب إيديولوجية ذات برامج، وأحزاب براغماتية تتعامل بمرونة كافية مع المتغيرات، وأحزاب أشخاص تتمركز حول زعيم ذي نفوذ مالي أو كاريزما خاصة.

وعلى هذا الأساس، يندرج حزب العدالة والتنمية ضمن أحزاب البرامج، التي تحتكم إلى إيديولوجية معينة، أو مرجعية كما تصفها الورقة المذهبية للحزب ذاته، والتي تحدد هويته، وتلخصها في كونه:

أ- حزب ذو مرجعية إسلامية.

ب- حزب وطني.

ت- حزب ديمقراطي.

ث- حزب إصلاحي.

ج- حزب مناضل.

ح- حزب مستقل.

وانطلاقا مما سبق، يقدّس حزب العدالة والتنمية سلطة النص، والمؤسسات التنظيمية الداخلية، خصوصا فيما يتعلق بالانتخابات الداخلية للمسؤوليات، أو استحقاقات تسيير الشأن العمومي، كتجلّ من تجليات الوفاء بالمقولات المؤطرة للحزب، وشرط جوهري من شروط الانتماء لهياكله.

بالإضافة إلى ذلك، يركز الحزب على احترام آجال انعقاد المؤتمرات، ويحرص على إخراج أوراقه التصورية (كالورقة المذهبية)، وهي بمثابة البرنامج العام الذي يشرح تصوره، كما جاء في مقدمة الورقة:

"يقصد بالبرنامج العام للحزب (الورقة المذهبية) الإطار المحدد لهوية الحزب كما تجسدت طيلة أزيد من نصف قرن منذ نشأة الحزب وتطوره، والتي تبسط أسسه ومقومات مرجعيته الفكرية ومقاصده الإصلاحية وغاياته الكبرى، ومعالم مشروعه المجتمعي والسياسي، وعناصر رؤيته الاقتصادية والاجتماعية، وأهدافه في النضال الديمقراطي والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ووسائله وإجراءاته في ارتباط مع طبيعة الدولة ومرجعية المجتمع ومقومات الهوية الوطنية الراسخة للمغرب والمحصنة بالدستور والإجماع الوطني، وتوجهات الحزب ذات العلاقة بالسياسة الخارجية ووحدة البلاد وسيادتها، كما تتضمن الوثيقة أيضا توجهات ومرتكزات النموذج التنظيمي للحزب".

جدلية الجمع العام سيد نفسه، وإلزامية القرار:

ليست النصوص وحدها ما يشكل تصور الحزب للعمل السياسي، أو مشروعه المجتمعي على أرض الواقع، إذ تحكمه كذلك جملة من المقولات المتداولة والأعراف الداخلية، التي ستشكل مع الوقت إحدى أبرز سماته أو وعيه الجمعي، خصوصا عند اختلاف التصورات.

وهذه المقولات ترتبط أساسا بالتراكم النظري للحزب، باعتبار مرجعيته الإسلامية وامتداده التاريخي الذي ينهل من مشاريع فكرية/إصلاحية مختلفة. كما يحتكم أعضاء الحزب كذلك إلى السلطة الرمزية والزمنية لقياداته، ممن عليهم الإجماع أو شبه الإجماع، في صياغة مقولات تتردد في اللقاءات والجموع العامة، من قبيل: (الجمع العام سيد نفسه)، أو (الرأي حر والقرار ملزم).

وبالنظر إلى هاتين المقولتين، تظهر الجدلية القائمة على تقديس سلطة الجماعة التي "لا تجتمع على ضلالة"، وعلى سلطة النص/القرار، فتتيه التأويلات والتبريرات أحيانا، وهو ما يقع عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وخصوصا عند ظهور قرار الأمانة العامة للحزب في اختيار مرشحي الدوائر، فتتباين الآراء بين من يرى في القرار ثمرة مساطر تنظيمية مشروعة، ومن يعتبره اجتهادا سياسيا قابلا للنقد والمراجعة وعدم احترام لرأي أغلبية الجمع العام.

وفي مثل هذه اللحظات، يبرز التوتر، بين منطق المؤسسة وأحقيتها في سلطة القرار باعتبارها هيئة تزكية حسب التعديلات الأخيرة، حيث كانت في السابق لا تتصرف إلا في نسبة 10% من مجموع الدوائر الانتخابية، ومنطق القواعد وأحقيتهم في "سيادة أنفسهم" من منطلق الجمع العام.

والسؤال الجوهري هنا: من الأولى بالترجيح عند لحظة التزكيات؟ أهي سلطة الأمانة العامة، بما تملكه من صلاحيات خوّلها لها برلمان الحزب، وبما تتوفر عليه من معطيات؟ أم أن تتخلى عن جزء من سلطتها لصالح "سيادة الجموع العامة"؟

والأصوب، في تقديري، ليس وضع الطرفين في حالة تعارض، بل البحث عن صيغة توازن بين الشرعيتين.

 فالأمانة العامة تستمد مشروعيتها من النص والمؤسسة، كما يستمد المناضلون مشروعيتهم من فقه الواقع والقرب والخصوصية.

كما أن الانخراط الحقيقي في العمل الحزبي لا يختزل في انتظار التزكية عند المواسم الانتخابية، بل يقتضي حضورا تنظيميا وفكريا دائمين، ومساهمة فعلية في تأطير المجتمع، تبدأ من التأطير الداخلي وتنقيح "التراث التنظيمي" بما يتلاءم و الاختيارات الديمقراطية.