البطالة بالمغرب.. "إنما الأعمال بالنيات.."

أحمد مدياني
أحمد مدياني

حين أفرجت المندوبية السامية للتخطيط عن نتائج بحثها الجديد بخصوص سوق الشغل، لم تُقدم للمغاربة ما يُبسط لهم قراءة الأرقام بعيدا عن امتحانات فك طلاسم اعتماد مؤشرات جديدة، لتظهر نسبة البطالة في صفوف المغاربة، خاصة الشباب والنساء، كما هي في الواقع، وليس كما يمكن أن يستغلها المهرولون نحو صناديق الاقتراع في سنة انتخابية يُعتبر فيها الرقم بعد الفاصلة بأجر قيراط من الذهب.

البحث قال لنا إن معدل البطالة في المغرب بلغ 10,8 في المائة، في المقابل، كان يفوق، خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، 13 في المائة، أي أنه بنظرة سطحية لنسبة الانخفاض المعلنة، سوف يعتقد المغاربة، وغيرهم، أن الحكومة وصلت، حسابيا، لخلق ما بين 250 و260 ألف منصب شغل، لكن ما هو معلن، في حصيلتها، أنها قاربت رقم 193 ألف منصب شغل فقط خلال السنة المالية الماضية.

هنا تفرض قراءة الرقم في سياقه، من زاوية التركيز على أن المندوبية أوردت في البحث أرقاما أخرى أكثر واقعية تهم نسب البطالة في الوسط الحضري تظهر أن الإشارة لـ"التحسن العام في نسب البطالة" يحتاج إلى حذر كبير.

بالإضافة إلى أن المندوبية نفسها تشير إلى أن معدل البطالة مع الشغل الناقص المرتبط بمدة العمل يصل إلى 16,6 في المائة، وأن "المؤشر المركب" لسوء استعمال اليد العاملة "sous-utilisation de la main-d’œuvre" تصل نسبته إلى 22,5 في المائة، إذن القراءة الاجتماعية الحقيقية لا يجب أن تقف عند رقم 10,8 في المائة فقط.

انخفاض النسبة، تم بسبب اعتماد مؤشرين جديدين في طريقة حساب عدد "العاطلين عن العمل" بالمغرب، سوف نعود إليهما لاحقا.

قبل ذلك، أعتقد أنه حان الوقت لإطلاق نقاش مؤسساتي وعمومي حول تعريف "ما هو الشغل؟" بعيدا عن التعريف الأممي الذي تُقدمه منظمة العمل الدولية، بشكل جاف لا يستحضر باق المؤشرات المعتمدة. وهو تعريف حتى في صيغته الصرفة، لا يمكن إسقاطه على كافة الدول بالنظر إلى الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل واحدة منها.

بماذا تُعرف المنظمة "الشغل"؟

تقول: هو "كل نشاط يقوم به شخص خلال فترة مرجعية قصيرة مقابل أجر أو ربح أو منفعة". أي أن هذا التعريف يجيز إدراج حتى الشخص الذي عمل ولو ساعة واحدة فقط خلال الأسبوع ضمن الخانة الإحصائية للساكنة النشيطة.

يعني أننا سنجد حتى داخل رقم الـ10,8 في المائة، نسبة مهمة ممن يمكن وصفهم بضحايا "البطالة المقنعة"، الذين يتم اعتبارهم ساكنة نشيطة رغم أنهم مروا مرور الكرام بالشغل ولم يستقروا داخله لفترة، نسبة اتسعت قاعدتها طبعا.

دون إسقاط أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن سوق الشغل بالمغرب تسوده الأنماط الهشة والقطاعات غير المهيكلة، بالإضافة إلى النشاطات في مختلف القطاعات التي لا تحترم ضوابط الحد الأدنى للأجور والتغطية الاجتماعية والتعويضات بمختلف أنواعها.

هذه المستويات علاقة بنوعية الشغل، اشتغلت عليه الدول التي ارتقت بتعريفه عبر إضافة شرط "اللائق"، وأخرى ذهبت حد ربط تعريفه بضرورة تحقق "الحياة الكريمة" للمشتغل وأسرته.

بناء على ما سبق، يجب أن تشرح المندوبية السامية للتخطيط، لماذا تقرر الانتقال من المنهجية القديمة إلى الجديدة في البحث الوطني حول التشغيل؟

منهجية سوف تخلق قطيعة في السلسلة الإحصائية، وبالتالي لا يجوز سياسيا أو إعلاميا مقارنة رقم 10,8 في المائة مباشرة مع الأرقام السابقة كما لو أننا أمام نفس طريقة القياس. هنا يوجد الإشكال الحقيقي.

بمعنى آخر، لا يمكن القول إن الرقم مزيف، بل استعماله وحده قد يكون مضللاً. لأن الرقم صحيح تقنيا داخل منهجيته الجديدة، لكنه غير كاف لتقييم واقع الشغل في المغرب إذا لم يُرفق بمؤشرات أوسع تستعملها وتعتمدها منظمة العمل الدولية في منهجية الاحصاء، وهي: الشغل الناقص، اليد العاملة المحبطة، البطالة الموسعة، جودة الشغل، الدخل، والحماية الاجتماعية.

الخلاصة في هذا الشق، أن البطالة لم تُحل، بل تغيرت عدسة قياسها. والمؤشر الرسمي الضيق، رغم مطابقته للمعايير الدولية في تعريف البطالة الصارمة، لا يكفي وحده لتقديم صورة عادلة عن سوق الشغل المغربي.

وبالعودة إلى الأرقام التي جاءت في البحث الجديد للمندوبية السامية للتخطيط حول البطالة، وبشكل جد مبسط لمن يقرؤون هذه السطور، يجب أن نعرف أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار نمو الساكنة في سن العمل زائد عدد الوافدين الجدد على سوق الشغل بالمغرب، فإن ضمان عدم ارتفاع نسبة البطالة مشروط بتوفير 200 ألف منصب شغل سنويا، والاستقرار يفرض توفير 250 ألف منصب، أما الارتفاع الملموس على أرض الواقع فيتطلب خلق ما يزيد عن 300 ألف منصب شغل.

ونحن، باعتراف الحكومة في حصيلتها، بعيدون جدا عن هذه الأرقام.

ما هما المؤشران الجديدان اللذان اعتمدتهما المندوبية في بحثها الأخير؟

الأول هو: إخراج كل مستعد للعمل من الخانة الإحصائية للأشخاص في وضعية البطالة؛

والثاني: اعتبار كل باحث عن العمل شخصا نشيطا.

هذان المؤشران اللذين يعرفان بـ "البحث النشيط عن العمل" و"الاستعداد للعمل" ليسا اختراعا للمندوبية، بل يدخلان ضمن المعايير الدولية المعتمدة من منظمة العمل الدولية، خاصة بعد تحديثات المؤتمر الدولي لإحصائيي العمل سنة 2013.

لكن في المقابل، يجب اخضاعهما لخصوصيات سوق الشغل المغربي، الذي يعاني كما قلنا سلفا، من وضع هش مزمن، يغلب عليه القطاع غير المهيكل، وضعف الحماية الاجتماعية، وضعف استقرار الدخل.

أمام هذين المؤشرين الطارئين"، يحق طرح سؤال حول توقيت تغيير المنهجية وطريقة تقديم الأرقام للرأي العام؟

قبل الإجابة، كل المؤشرات المتوفرة، تقود لاعتبار أن نسبة البطالة المعلنة اليوم بالمغرب انخفضت دون شرح ووفق منطق "إنما الأعمال بالنيات" لا غير.

مواضيع ذات صلة