"أنثروبولوجيا السوق" للعطري.. ندوة علمية برؤية حنان زعيرك وقراءة حنان بوكطاية

محمد فرنان

في إطار الدورة الـ 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، وضمن فعاليات البرنامج الثقافي لجامعة محمد الخامس، احتضنت قاعة محمد المنوني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ندوة علمية لتقديم مؤلف الدكتور عبد الرحيم العطري الجديد، "أنثروبولوجيا السوق والتسوق: التأويل الثقافي للممارسات الاقتصادية"، وهي الندوة التي سيرتها الدكتورة حنان زعيرك وقدمتها الدكتورة حنان بوكطاية.

ثقافة الاعتراف

وافتتحت الدكتورة حنان زعيرك، مسيرة اللقاء، أمس الأربعاء، مداخلتها بالتأكيد على أن هذا الاحتفاء يندرج ضمن "ثقافة الاعتراف" بالبحث العلمي الرصين، معتبرة أن العطري يشكل "ركيزة من ركائز شعبة علم الاجتماع"، بالنظر إلى قدرته على الجمع بين الصرامة الأكاديمية والروح الإنسانية في تعامله مع الطلبة والباحثين الشباب.

وأضافت زعيرك أن العطري يمثل "منجما حيا للمعرفة والعطاء"، مشيرة إلى دوره في إعادة الحيوية للحراك العلمي داخل كلية الآداب بالرباط، عبر مواكبته للندوات واللقاءات العلمية والإشراف على الأبحاث الجامعية، فضلا عن مساهمته في تكوين أجيال من الباحثين.

وشددت على أن ما يجمعه بزملائه هو "قرابة المعنى" والانتماء إلى حقل معرفي يسعى إلى إنتاج القيمة العلمية والمعرفية، معتبرة أن الكتاب الجديد يشكل "رأس السوق" في لحظة صدوره بالنظر إلى راهنيته وأفقه التأويلي.

مسكون بهاجس الفهم والتفكيك

من جانبها، قدمت الدكتورة حنان بوكطاية قراءة نقدية موسعة في الكتاب، واصفة العطري بأنه "قامة علمية مسكونة بهاجس الفهم والتفكيك"، وباحث جعل من تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة مختبرا مفتوحا لأسئلته السوسيولوجية والأنثروبولوجية.

وأوضحت بوكطاية أن هذا المؤلف يمثل "ولادة علمية جديدة" داخل الخزانة المغربية، لأنه ينصف البحث الميداني ويغوص في "إثنوغرافيات اليومي"، حيث يزاوج المؤلف بين أدوات السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا في قراءة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، مقدما عملا مرجعيا للطلبة والباحثين.

وأكدت المتدخلة أن العطري لم يكتف بالنظريات الجاهزة أو بما وصفته ب"القراءات المكتبية الباردة"، بل اختار النزول إلى الميدان والاحتكاك المباشر بالفاعلين الاجتماعيين، من نساء الأسواق إلى الباعة المتجولين ومرتادي الفضاءات التجارية الشعبية والعصرية، ليحول السوق من مجرد فضاء للبيع والشراء إلى "نص ثقافي" زاخر بالرموز والدلالات والحكايات الإنسانية.

وأضافت أن الكتاب يفكك جدلية "الساكن والمسكون" داخل السوق، من خلال تتبع "إثنوغرافيات متعددة" تشمل الجوانب الاجتماعية والسياحية والاقتصادية، وهو ما يسمح، بحسبها، بقراءة المجتمع المغربي بأدوات منهجية دقيقة تتجاوز الأحكام الجاهزة وتنفذ إلى عمق الحكاية الاجتماعية للإنسان المغربي.

وأشادت بما وصفته بـ"العطاء السخي" للعطري، الذي لا يتوقف عند حدود التأليف والنشر، بل يمتد إلى تحفيز الباحثين الشباب على تجاوز التردد والانخراط في مغامرة البحث العلمي والإنتاج المعرفي.

النقد المنفتح

وفي مداخلته، أوضح العطري أن مشروعه الفكري يقوم على "النقد المنفتح" باعتباره أفقا لفهم الوقائع الاجتماعية، عبر ثلاث عتبات أساسية، النقد التأسيسي الذي يعود إلى جذور الظاهرة، والفهم التأويلي بوصفه رهانا للوصول إلى المعنى الكامن خلف السلوك البشري، ثم النحت المعرفي الذي يسعى إلى إنتاج مفاهيم قادرة على ترجمة الواقع المغربي بدقة.

وأكد الباحث أن "السوق" ظل حاضرا في أعماله السابقة حول الحج والنخبة والقرابة، غير أنه تحول في هذا المؤلف إلى بؤرة مركزية لفهم "الهندسة الثقافية" للمجتمع المغربي، عبر اعتماد "الإثنوغرافيا متعددة المواقع"، متنقلا من "سوق السبت" بالسمارة إلى "الجوطيات" و"سوق الظلمة" و"سوق الكلب" بالدار البيضاء، وصولا إلى فضاءات استهلاكية حديثة مثل موروكو مول.

التخلص من بعض الأحكام المسبقة

وأوضح العطري أن هذا التنقل الميداني أتاح له رصد تناقضات اجتماعية صارخة، من صراعات الباعة حول مبالغ بسيطة، إلى مشاهد الفوارق الطبقية داخل المراكز التجارية الكبرى، حيث تحدث عن تأثره بمشهد طفلة بسيطة تتأمل واجهات العلامات التجارية الفاخرة، وهو ما دفعه إلى مراجعة "انعكاسيته المنهجية" والتخلص من بعض الأحكام المسبقة لتحقيق أكبر قدر من الموضوعية العلمية.

وتوقف الباحث عند مفهوم "الحياة الاجتماعية للأشياء"، مستشهدا بـ"علبة التونة" باعتبارها تختزل مسارات عالمية معقدة تشمل الصيد والتصنيع والنقل والتسويق، مؤكدا أن مهمة الأنثروبولوجي تتمثل في جعل ما هو غير مرئي قابلا للفهم والتحليل.

وكشف العطري أيضا عن وجود ما سماه "قضاء الظل" داخل بعض الأسواق، حيث تفرض جماعات مهنية أو إثنية أشكالا من العقوبات الاجتماعية مثل "النفي المهني"، معتبرا أن هذه الأحكام تكون أحيانا أكثر تأثيرا من القضاء الرسمي داخل الأوساط التي تقوم على "اقتصاد الثقة".

وحذر الباحث من تحول العالم إلى "سوق كبرى" تتحكم في اختيارات الأفراد عبر ما سماه "الهندسة العاطفية" للمساحات التجارية، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بصعود "اقتصاد المنصات" الذي يمارس "تمييزا خوارزميا" يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية وفق منطق البيانات والخوارزميات، بما ينذر بولوج البشرية إلى أزمنة "ما بعد السوق".