مهدي الزوات، محام بهيئة بالدار البيضاء وباحث في القانون
في غضون أقل من أربع سنوات، أنتجت الولاية التشريعية الحادية عشرة كمَّا غير مسبوق من النصوص ذات الطابع الاقتصادي والمالي. ميثاق استثمار جديد، إصلاح جبائي شامل، تحديث لقانون أسواق الرساميل، مشروع طموح لتفويت الديون المتعثرة، ومراجعات متلاحقة لمنظومة الحكامة المالية والمؤسسات والمقاولات العمومية. على الورق، الحصيلة لافتة، بل قد تكون من بين الأكثر كثافة منذ عقود من العمل التشريعي. لكنها تطرح، عند التدقيق المنطقي، سؤالا محوريا: إلى أي حد يعبر هذا الإنتاج التشريعي عن سياسة اقتصادية متماسكة، منسجمة مع توجهات النموذج التنموي الجديد، أم أنه يندرج ضمن منطق تراكم إصلاحات قطاعية تمليها الإكراهات الظرفية ومتطلبات الشركاء الماليين الدوليين والتوازنات الحكومية الداخلية؟
هذا السؤال ليس بريئا. فالتشريع الاقتصادي ليس عملية تقنية محايدة. كل نص يحدد من يستفيد ومن يتحمل الكلفة. فأي نوع من المقاولات يجد لنفسه مكانا في السوق. ولهذا، فإن غياب البوصلة في السياسة التشريعية الاقتصادية لا يعني فقط ضعف التماسك القانوني، بل يعني أيضا ضبابية في الخيار المجتمعي ذاته.
ميثاق استثمار يسعى إلى القطيعة
شكل القانون الإطار رقم 03.22 المتعلق بميثاق الاستثمار اللبنة الأبرز في هذا الورش. فقد سعى إلى تجاوز محدوديات القانون الإطار 18.95 الذي ظل لعقود أداة متجاوزة، عبر تقديم بنية تحفيزية موحدة، ومِنح قطاعية وترابية أكثر استهدافا، وحوكمة أكثر مركزية لقرار الاستثمار. الفلسفة المعلنة كانت واضحة: جعل المغرب وجهة استثمارية تنافسية على المستوى الإقليمي، تقليص الفوارق الترابية، وتحفيز قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.
غير أن التنزيل الفعلي يصطدم بعدة محددات. فالمراسيم التطبيقية صدرت بشكل متقطع، وانخراط الفاعلين الترابيين تفاوت من جهة إلى أخرى، فيما ظل سؤال الجوهري معلقا: إلى أي حد سيترجم هذا الميثاق إلى تدفقات استثمارية مهيكلة وخالقة لمناصب الشغل، لا إلى مجرد إعادة توطين لاستثمارات كانت قائمة أصلا، أو إلى تحفيزات يستفيد منها كبار الفاعلين دون أن تمس النسيج المقاولاتي الصغير والمتوسط؟ التقييم الموضوعي، بعد ثلاث سنوات من التنزيل، يبدو ضرورة ملحة.
التحديث المالي وتطهير القطاع البنكي
في الموازاة مع ذلك، شهد المجال المالي مخاضا تشريعيا ملحوظا. تم تعزيز صلاحيات الهيئة المغربية لسوق الرساميل، تحديث الإطار القانوني للتمويل التشاركي، إصلاح منظومة الضمانات، وفتح ورش جديد متعلق بأسواق ثانوية للأصول البنكية المتعثرة. مشروع القانون رقم 02.26 المتعلق بتفويت الديون المتعثرة يمثل في هذا السياق قفزة نوعية. فالكتلة الإجمالية لهذه الديون باتت تهدد قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد، وتجمد رساميل ضرورية لإنعاش القرض، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشتكي منذ سنوات من صعوبة الولوج إلى التمويل.
الإطار التشريعي المقترح، المستلهم من تجارب مقارنة (فرنسا، إيطاليا، اليونان، الإمارات، تونس)، يفتح المجال أمام سوق ثانوية لهذه الديون، ويؤسس لآليات تفويت أكثر مرونة. لكنه يطرح بدوره أسئلة حادة لا يمكن للمشرع تجاوزها: ما هي ضمانات حماية المدينين، من أفراد ومقاولا صغيرة، من ممارسات التحصيل القاسية؟ كيف تؤطَّر شركات التحصيل بشكل يحول دون انحرافات متداولة في تجارب أخرى؟ ما هي الرقابة الواجب توفيرها على التدفقات المالية المرتبطة بهذه السوق؟ وأين تقع حدود التفويت إلى مستثمرين أجانب في قطاع يلامس بعمق السيادة الاقتصادية الوطنية؟
ثلاث ملاحظات تفرض نفسها
عند المراجعة الشاملة لهذا الإنتاج التشريعي، تبرز ثلاث ملاحظات لا يمكن تجاوزها.
أولا، ضعف التقييم القبلي. كثير من النصوص الاقتصادية الكبرى تصدر دون دراسات أثر معمقة، ودون تشخيص اقتصادي رصين لتكلفة الفرصة الضائعة أو للسيناريوهات البديلة. غالبا ما تكتفي عروض التقديم بمبررات عامة، فيما تظل الأرقام والمحاكاة الميكرو اقتصادية شبه غائبة. النتيجة: قوانين تعدل أو تكمل بشكل متسارع بعد سنوات قليلة من اعتمادها، وهو مؤشر صريح على هشاشة التحضير الأولي وعلى ضياع زمن تشريعي ثمين.
ثانيا، الإفراط في القوانين الإطار. اللجوء المتزايد إلى هذه التقنية التشريعية يفرغ، في كثير من الأحيان، السلطة التشريعية من جوهر اختصاصها. فبينما يكتفي البرلمان بالتصويت على المبادئ العامة، يحتفظ الجهاز التنفيذي، عبر المراسيم، بصلاحية تحديد القواعد الفعلية للعبة. وهو ما يطرح إشكالية دستورية حقيقية تتعلق بمضمون الفصل 71 من الدستور، الذي يحدد مجال القانون بدقة، ويضعف الرقابة الديمقراطية على المضامين الاقتصادية الحساسة. الميثاق الجديد للاستثمار نفسه نموذج: المبادئ العامة فقط هي التي صوت عليها البرلمان، فيما تركت التفاصيل الجوهرية للنصوص التطبيقية.
ثالثا، غياب الانسجام مع النموذج التنموي الجديد. التقرير الذي رفعته اللجنة الخاصة بهذا النموذج سنة 2021 وضع رؤية واضحة لاقتصاد منتج، مرتكز على رفع نسبة الاستثمار الخاص، تحفيز التشغيل اللائق، وتوسيع الطبقة الوسطى. غير أن السياسة التشريعية اللاحقة لم تترجم هذه الرؤية إلى مذهب تشريعي اقتصادي موحد. كل وزارة تمرر نصوصها وفق منطقها القطاعي، فيما يغيب أي إطار شامل يضمن انسجام النصوص فيما بينها ومع الأهداف الاستراتيجية المعلنة. النتيجة هي إنتاج تشريعي وفير لكنه مجزأ، يفتقد إلى الخيط الناظم.
ما المطلوب للولاية المقبلة؟
إذا كانت الولاية التشريعية الحالية قد فتحت أوراشا مهمة، فإنها تترك للولاية المقبلة مسؤولية استكمالها. ويمكن إجمال ذلك في أربع رافعات.
الأولى، مأسسة التقييم البعدي للقوانين الاقتصادية. فلا يعقل أن تُعتمد نصوص بهذا الحجم دون آلية مستقلة لقياس أثرها بعد ثلاث أو خمس سنوات من دخولها حيز التطبيق. وقد آن الأوان للتفكير في إحداث هيئة وطنية لتقييم السياسات التشريعية، تشتغل بالتنسيق مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وبنك المغرب، والمجلس الأعلى للحسابات.
الثانية، استرداد البرلمان لمكانته في الفعل التشريعي الاقتصادي. ليس عبر معارضة لأجل المعارضة، بل عبر مبادرات تشريعية جدية، ومناقشات معمقة، وتعزيز قدرات اللجان البرلمانية في التحليل الاقتصادي والمالي. لم يعد يكفي أن يكون النائب محيدا للتداول السياسي، بل يجب أن يمتلك أدوات قراءة النص الاقتصادي ومحاكاة آثاره الميدانية.
الثالثة، بلورة مذهب تشريعي اقتصادي وطني، يؤطر مجمل النصوص ويضمن انسجامها مع النموذج التنموي. وهذا يستدعي وجود مرجعية فكرية واستشارية دائمة، تساعد المشرع على التفكير في القانون الاقتصادي كنسق متكامل، لا كمجموع نصوص متفرقة. هنا يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه مراكز التفكير القانوني المستقلة في إغناء النقاش العمومي وتجويد العرض التشريعي قبل وصوله إلى قبة البرلمان.
الرابعة، تعزيز الديمقراطية التشاركية في صياغة القوانين الاقتصادية. الفصلان 14 و15 من الدستور فتحا الباب أمام مشاركة المواطنين في الفعل التشريعي عبر العرائض وملتمسات التشريع. غير أن استعمال هاتين الآليتين ظل محدودا للغاية، خاصة في المجال الاقتصادي. توسيع المشاركة المواطنة ليس "فضلا" ديمقراطيا، بل ضمانة لقوانين أكثر قبولا اجتماعيا وأكثر فعالية ميدانيا.
خاتمة: التشريع الاقتصادي مسؤولية سياسية قبل أن يكون تقنية قانونية
كل قانون اقتصادي هو، في جوهره، اختيار سياسي. اختيار يتعلق بمن يستفيد ومن يؤدي الثمن، بما يشجع وما يعرقل، بأي اقتصاد نريد لأبنائنا ولهذا الوطن. ولهذا، فإن جودة السياسة التشريعية الاقتصادية ليست تمرينا أكاديميا، بل شرطا من شروط السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية على حد سواء.
الولاية المقبلة، التي ستنطلق بعد استحقاقات شتنبر2026، ستحمل مسؤولية تاريخية: إما أن تستكمل ما بًدأ بروح أكثر انسجاما ووضوحا، وأن تقطع مع منطق التشريع التراكمي، أو أن تعيد إنتاج نفس المنطق بنصوص جديدة وعناوين مختلفة. والمواطن المغربي، عبر صوته الانتخابي القادم، هو من سيحدد، في نهاية المطاف، أي مسار سيكتب. وهنا يكمن، ربما، أهم رهان للديمقراطية المغربية في السنوات المقبلة: أن تتحول السياسة التشريعية من مجرد تقنية إدارية إلى ساحة حقيقية للنقاش العمومي وللخيارات المجتمعية الكبرى.