المحاماة بالمغرب: صراع الإصلاح أم صراع المصالح؟

تيل كيل عربي

عبد الرحيم أبو عزيز، حقوقي مجاز في القانون محلف لدى المحاكم

في كل مرة يفتح فيها ملف إصلاح مهنة المحاماة بالمغرب، يعلو الجدل نفسه بأشكال أكثر حدة وتعقيدا. فالموضوع لم يعد مجرد نقاش قانوني حول تعديل بعض المواد أو تغيير شروط مزاولة المهنة، بل تحول إلى ساحة تجاذب حقيقي بين عدة أطراف: وزارة العدل التي تسعى إلى فرض تصور جديد للمهنة، وهيئات المحامين التي ترى نفسها الحارس التاريخي لاستقلالية الدفاع، والأساتذة الجامعيون الذين يعتبرون أن الجامعة أصبحت مستهدفة بشكل غير مباشر، ثم خريجو كليات الحقوق الذين يشعرون بأن أبواب المستقبل توصد في وجوههم وهم بالآلاف.

وزارة العدل تبدو، اليوم، مقتنعة بأن مهنة المحاماة تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، سواء من حيث شروط الولوج أو طرق التكوين أو آليات الممارسة. ومن حيث المبدأ، لا أحد يمكنه الاعتراض على فكرة الإصلاح، لأن كل المهن تتطور وتراجَع قوانينها باستمرار. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الطريقة التي يتم بها تدبير الإصلاح. فحين يشعر المحامون بأن الدولة تريد فرض تصور فوقي دون إشراك فعلي للجسم المهني، يصبح التخوف من المساس باستقلالية المهنة أمرا مفهوما. المحاماة ليست إدارة تابعة للسلطة التنفيذية، بل جزءا من منظومة العدالة، واستقلال الدفاع ليس امتيازا للمحامين بقدر ما هو ضمانة للمتقاضين، ووسيلة للولوج المستنير للقضاء.

في المقابل، تبدو هيئات المحامين أحيانا وكأنها تدافع عن “قلعة مغلقة” تخشى أي تغيير يمكن أن يهدد التوازنات التقليدية داخل المهنة. وتتعالى بذلك أصوات المحامين محتجة على ما تسميه بإغراق المهنة بالعاطلين، خاصة في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعيشها كثير من المحامين الشباب، متناسين بأنها مهنة حرة، وأن الشروط التي تفرضها الهيئات على الشباب من أجل السماح لهم بالتسجيل في جداول التمرين تزيد من حدة الموقف، وتجعلهم ينزاحون إلى البحث عن لقمة العيش أكثر من البحث عن قيمة العدالة وصون الحريات والحقوق، لكن تحويل المهنة إلى فضاء شديد الانغلاق قد يعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بحماية الامتيازات أكثر من حماية جودة العدالة. فالمشكلة ليست فقط في عدد الخريجين، بل في غياب رؤية وطنية حقيقية لتأهيل التعليم القانوني وربطه بسوق الشغل، وإذا ما استحضرنا مواقف لهيئات المحامين وجمعيات المحامين الشباب بخصوص الجدل الذي رافق نتائج الامتحانات التي أعلنت عنها وزارة العدل، باعتبارها جهات رسمية تعبر عن رأي المحامين وانشغالاتهم فإنها كانت مواقف صامتة وباهتة، لم تستطع الخروج للدفاع عن المهنة آنذاك ولا أن تعبر عن إغراق المهنة رغم الاتهامات الخطيرة التي كالها المترشحون لذلك الامتحان ولوزارة العدل، الشيء الذي دفع الوزارة بعد ضغط الاحتجاجات إلى تنظيم امتحان ثان، والذي صمت فيه المحامون صمتا مطبقا كذلك.

أما الأساتذة الجامعيون، فقد كانوا يجدون أنفسهم وسط هذا الصراع بشكل غير مباشر. فكلما تم التشكيك في مستوى خريجي كليات الحقوق أو فرض شروط إضافية ومعقدة للولوج إلى المهن القانونية، يُفهم الأمر وكأنه اتهام ضمني للجامعة بالفشل في أداء دورها. والحقيقة أن الجامعة المغربية تتحمل جزءا من المسؤولية، لكنها ليست وحدها المسؤولة. إذ لا يمكن الحديث عن جودة التكوين القانوني دون الحديث عن الاكتظاظ وضعف الإمكانيات وغياب الإصلاح العميق للبحث العلمي والمناهج البيداغوجية.

غير أن هؤلاء الأساتذة قرروا الانتفاض، ليس من أجل تمكين الجامعة من الاضطلاع بأدوارها العلمية، وتكوين الخريجين بما تقتضيه الشروط العلمية للبحث العلمي والابتكار، بل من أجل الدفاع عن "حقهم" في الولوج إلى المهنة بدون شروط اللهم شهادتهم الجامعية وأقدميتهم في ممارسة التعليم الجامعي، هذا الموقف الذي يبدو ينتقده المحامون وينتقده الشباب الخريجون فالمسألة لا ينظر إليها من زاوية إمداد المهنة بكفاءات علمية من درجة دكاترة في القانون، بل من جانب "اللهطة" في الحصول على مناصب شغل من المفترض أن يتحصل عليها الشباب الخريجون المعطلون المقبلون على تحمل أعباء الحياة.

غير أن الطرف الأكثر تضررا من هذا التجاذب يظل هو خريج كلية الحقوق. هذا الشاب الذي قضى سنوات طويلة في الدراسة، ليجد نفسه بعد التخرج أمام امتحانات مثيرة للجدل، وشروط متغيرة باستمرار، وسوق شغل ضيقة، وخطاب عام يشكك في كفاءته. يشعر كثير من هؤلاء بأنهم تحولوا إلى ضحايا لصراع المؤسسات والمصالح، وأن النقاش حول المحاماة يتم فوق رؤوسهم دون الالتفات إلى معاناتهم الحقيقية. ولهذا لم يعد غريبا أن يتحول ملف المحاماة إلى قضية رأي عام تتجاوز الوسط القانوني نفسه.

المشكلة في المغرب ليست فقط في كثرة خريجي الحقوق، ولا في تشدد هيئات المحامين، ولا في رغبة الوزارة في الإصلاح؛ المشكلة الحقيقية هي غياب الثقة بين مختلف الفاعلين. فكل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصما لا شريكا. الوزارة تتحدث بلغة التدبير والتقنين، والمحامون يتحدثون بلغة الاستقلالية والحماية، والجامعة تدافع عن شرعيتها الأكاديمية، والخريجون يطالبون بحقهم في الأمل. وبين هذه الأصوات المتصارعة تضيع أحيانا المصلحة الحقيقية للعدالة.

إن إصلاح مهنة المحاماة لا يمكن أن ينجح بمنطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع، لأن العدالة ليست ملفا إداريا عاديا. المطلوب اليوم هو حوار وطني حقيقي يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو مزايدات، حوار يعترف بأن المهنة تحتاج فعلا إلى تحديث، لكن أيضا بأن الشباب يحتاج إلى فرص حقيقية، وأن الجامعة تحتاج إلى دعم وإصلاح، وأن استقلال المحاماة ليس خطا أحمر للمحامين فقط بل ركيزة من ركائز دولة القانون.

في النهاية، يبدو أن أزمة المحاماة بالمغرب ليست أزمة نصوص قانونية فقط، بل أزمة رؤية كاملة حول معنى العدالة ودور القانون ومكانة الشباب داخل المجتمع.