نظم مجلس الجالية المغربية بالخارج، الأربعاء، ندوة فكرية ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تحت عنوان: "كرة القدم، السوسيولوجيا والمسرح: كيف تسللت كرة القدم إلى حياتي كمثقف؟"، بمشاركة الكاتب المسرحي والمخرج المغربي-الفرنسي محمد الخطيب، والسوسيولوجي والباحث بالمركز الفرنسي للبحث العلمي مروان محمد، والأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية والاجتماعية حسن بوستة، الذي أدار اللقاء.
واستهل حسن بوستة الندوة بالتأكيد على الطابع غير المألوف لمناقشة كرة القدم داخل فضاء ثقافي بحجم المعرض الدولي للنشر والكتاب، معتبرا أن هذه الرياضة تعكس صورة المجتمع وتحمل في تفاصيلها الكثير من الحكايات المرتبطة بالهوية والمسارات الشخصية والذاكرة الجماعية.
وتابع أن كرة القدم رغم حضورها القوي داخل الفضاء الاجتماعي والعلاقات اليومية، ما تزال تحظى باهتمام محدود داخل دراسات العلوم الإنسانية، في حين تشكل فضاء تتقاطع فيه ذاكرة الطبقة العاملة والهامش والهجرة.
من جهته، استعاد محمد الخطيب علاقته المبكرة بكرة القدم، موضحا أنها رافقته منذ الطفولة، إلى درجة أنه تلقى في سن السادسة عشرة دعوة للانضمام إلى المنتخب الفرنسي، غير أن والده رفض التضحية بمساره الدراسي.
وركز الخطيب في حديثه على صورة الأب باعتباره شخصية مركزية في تشكيل وعيه، مستحضرا كيف كان يربط بين أنماط اللعب والانتماءات السياسية، من خلال تفضيله للفرق اليسارية القائمة على اللعب الجماعي والتضامن، مقابل فرق تعتمد على القوة المالية والفردانية.
وأكد الخطيب أن الإصابة أنهت مبكرا مسيرته الكروية، لكنه نقل شغفه بالمفاجأة والتوتر اللذين يميزان كرة القدم إلى المسرح، معتبرا أن لحظة نسيان الممثل لنصه فوق الخشبة تشبه ما يحدث في الدقائق الأخيرة من المباريات الحاسمة.
وفي سياق حديثه عن البعد الاجتماعي لكرة القدم، أشار الخطيب إلى تجربته مع مجموعات “الألتراس”، التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها جماعات متطرفة، قبل أن يكتشف انخراط أفرادها في مبادرات تضامنية لفائدة المهاجرين، وهو ما دفعه إلى مراجعة أحكامه المسبقة. واعتبر أن العنف المرتبط بالملاعب يتم تضخيمه إعلاميا إلى حد وصم فئات كاملة بأنها “خطرة”.
كما استعاد المخرج المغربي-الفرنسي واقعة طريفة عاشها خلال كأس العالم بقطر سنة 2022، حين دعي للسفر على متن طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحضور مباراة المنتخبين الفرنسي والمغربي، قبل أن يجد نفسه بعد اللقاء داخل غرفة ملابس المنتخب المغربي إلى جانب الرئيس الفرنسي، في مشهد تناقلته القنوات الإخبارية، وجعل والده يدرك لأول مرة أن ابنه “يقوم بشيء مهم”، بحسب تعبيره.
أما السوسيولوجي مروان محمد، فتحدث عن حضور كرة القدم في اللغة اليومية وفي طريقة التفكير الاجتماعي، معتبرا أنها "إسمنت الحياة الاجتماعية".
واستعرض بدايات علاقته بالكرة في مدينة الدار البيضاء، موضحا كيف تحولت مفاهيم مثل "التموقع داخل الملعب" و"الخطط التكتيكية" إلى استعارات لتحليل الظواهر الاجتماعية داخل أبحاثه حول اللامساواة والهامش الحضري.
وأشار الباحث إلى أن الوسط الأكاديمي لا يمنح موضوع كرة القدم قيمة علمية كافية، إذ ينظر غالبا إلى الارتباط الشعبي بالرياضة باعتباره أمرا بعيدا عن البحث العلمي، مؤكدا في المقابل اعتزازه بهذه العلاقة التي شكلت بالنسبة إليه مصدرا للإلهام الفكري.
وكشف مروان محمد أنه تجاوز المقاربة النظرية حين أسس ناديا لكرة القدم في حيه بهدف تجاوز الانقسامات العرقية بين "العرب" و"السود"، مؤمنا بأن كرة القدم قادرة على جمع الجميع داخل فضاء واحد وتوجيههم نحو هدف مشترك.
وأضاف أن البدايات كانت متوترة، غير أن الروابط الإنسانية بدأت تتشكل تدريجيا إلى أن تحول النادي إلى دعامة للوحدة المحلية.
وفي محور آخر من الندوة، أجمع المتدخلون على أن المسار التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022 شكل "زلزالا هوياتيا"، حيث اعتبر مروان محمد أن الإنجاز المغربي كان بمثابة مرآة للمنتخبات الإفريقية، دفعها إلى مراجعة تأخرها، وهو ما انعكس لاحقا على ارتفاع مستوى التنافس داخل كأس الأمم الإفريقية.
كما توقف الباحث عند الرمزية التي حملتها مشاركة المنتخب المغربي، من خلال حضور الأمهات واعتزاز اللاعبين بجذورهم وارتباطهم بالمغرب، معتبرا أن ذلك يعكس تحررا من عقدة النقص، إلى درجة دفعت العديد من مزدوجي الجنسية إلى إعادة التفكير في علاقتهم ببلدهم الأصلي.
بدوره، أكد محمد الخطيب أنه لو عاد به الزمن إلى فترة لعبه لاختار تمثيل المنتخب المغربي، ليس بدافع المصلحة، وإنما لأن المغرب ـ بحسب تعبيره ـ "تجاوز الحدود بثقافته وجودة لعبه"، مشيرا إلى التحولات التي يعرفها المغرب على مستويات متعددة، مقابل حالة التراجع التي تعيشها بعض الدول الأوروبية.