اعتبرت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة أن ميثاق المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة يكرس، بصيغته الحالية، عدة اختلالات بنيوية، من بينها إقصاء المقاولات الصغيرة جدا الحقيقية لفائدة أقلية من المقاولات المهيكلة التابعة للباطرونا (PME Master Classes)، وتجاهل تمثيليتها المباشرة داخل المنظومة، فضلا عن عدم عكسه للحجم الحقيقي للأزمة التي يعيشها هذا النسيج المقاولاتي، إلى جانب ما وصفته بإعادة توجيه وكالة "مغرب المقاولات" بعيدا عن دورها الأصلي في مواكبة ودعم هذه الفئة من المقاولات.
المقاولات الصغيرة جدا ترفع سقف مطالب إصلاح الدعم والاستثمار
ودعت الكونفدرالية، من خلال بيان توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منه، إلى مراجعة عاجلة للميثاق، تقوم على إدماج الهيئات الممثلة للمقاولات الصغيرة جدا داخل حكامة الميثاق، بما يضمن تمثيلية حقيقية وفعالة لهذه الفئة في مسار اتخاذ القرار، إلى جانب إعادة توجيه مختلف أشكال الدعم التقني والمالي وآليات المواكبة نحو المقاولات التي تعيش وضعية هشاشة فعلية، بما يسمح بتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع.
كما شددت على ضرورة تخفيض عتبات الولوج إلى صندوق الاستثمار، في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، حتى تشمل المقاولات الصغيرة جدا بشكل مباشر، مع التأكيد على أن أي سياسة تستهدف تعزيز التنافسية ينبغي أن تنطلق من معالجة العوائق الهيكلية التي تواجه هذا النسيج المقاولاتي، وفي مقدمتها الإشكالات الجبائية، وصعوبات الخزينة، وضعف الولوج إلى التمويل والطلبيات العمومية، وتأخر آجال الأداء، إضافة إلى غياب آليات الحماية في حالات التعثر.
جدل حول حكامة ميثاق دعم المقاولات الصغيرة جدا
وأوضحت الكونفدرالية أن ميثاق المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة شابته اختلالات على مستوى التصور، إذ تم إقصاء الهيئات الممثلة للمقاولات الصغيرة جدا، وفي مقدمتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، سواء خلال مرحلة إعداد الميثاق أو على مستوى آليات الحكامة الخاصة به، في حين تم إشراك الباطرونا ممثلة في الاتحاد العام لمقاولات المغرب منذ البداية، مع استمرار دورها في الترويج له على المستويين الوطني والجهوي.
وأضافت أنه جرى، في المقابل، تسجيل غياب أو تهميش للوزارة المكلفة بالمقاولة الصغيرة، مقابل إدماج وزارات قطاعية أخرى ضمن الجهاز المؤسساتي للميثاق، من بينها وزارة السياحة، وهو ما يعكس، وفق المصدر ذاته، اختلالا في هندسة الحكامة المرتبطة بهذا الورش.
وكشفت أن الميثاق يعيد إنتاج نفس الإخفاقات التي تم تسجيلها في برنامج "فرصة"، حيث إن إشراك وزارة قطاعية ثانوية على حساب الوزارة الوصية على المقاولة الصغيرة يعكس خللا في توجيه هذا الورش، ويكرس نوعا من الإقصاء المؤسساتي، كما يكشف عن تناقض داخل الفعل الحكومي نفسه.
وأشارت إلى أن هذا الاختيار لا يمكن اعتباره مجرد مسألة تنظيمية أو مؤسساتية، بل هو خلل بنيوي يمس جوهر صياغة السياسات العمومية، مؤكدة أنه من غير الممكن تصميم سياسة تستهدف أكثر من أربعة ملايين مقاولة صغيرة جدا دون إشراك تمثيلياتها الحقيقية. وخلصت إلى أن هذا الميثاق يعيد إنتاج مقاربة مألوفة، قوامها الحديث عن المقاولات الصغيرة جدا دون إشراك الفاعلين المعنيين بها فعليا.
ولفتت الانتباه إلى أن الأرقام الميدانية في هذا السياق تعكس وضعا مقلقا، إذ تم إغلاق حوالي 52 ألف مقاولة خلال سنة 2025، أي بمعدل مقاولة كل 10 دقائق، في حين تعيش غالبية المقاولات الصغيرة جدا ضمن منطق البقاء أكثر من سعيها للنمو والتوسع.
وأضافت أن أقل من 5 في المائة من المقاولات الصغيرة جدا تستفيد من التمويل، بينما لا تتجاوز نسبة ولوجها إلى الصفقات العمومية 10 في المائة، في حين يظل القطاع غير المهيكل مهيمنا بشكل بنيوي بحوالي 41 في المائة. واعتبرت أن هذه المؤشرات تعكس بجلاء اتساع الفجوة بين حدة الأزمة التي تعيشها هذه المقاولات وبين مستوى السياسات العمومية الموجهة لدعمها.
وشددت على أن آلية الاشتغال المرتبطة بصندوق الاستثمار في إطار الميثاق الجديد للاستثمارات تكرس، وفق تقديرها، نوعاً من الإقصاء الاقتصادي، من خلال فرض حد أدنى للاستثمار في حدود مليون درهم، مع اشتراط التوفر على ميزانيتين ختاميتين أخيرتين يتجاوز فيهما رقم المعاملات هذا السقف، وهو ما يقصي عمليا أغلب المقاولات الصغيرة جدا من الولوج إلى دعم الاستثمار، خاصة في سياق اقتصادي صعب طبعه تتابع تداعيات جائحة كوفيد-19، وسبع سنوات من الجفاف، وتبعات الحرب في أوكرانيا، وموجات التضخم، والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الغازوال، ما يجعل هذا الشرط، في نظرها، عائقا بنيويا أكثر منه إجراء تقنيا.
"مغرب المقاولات" بين دعم الـPME وتمدد المهام القطاعية
وفي سياق متصل، لفتت إلى ما وصفته بتحول استراتيجي مقلق في دور وكالة "مغرب المقاولات"، إذ يرتقب أن تنتشر الوكالة عبر مختلف جهات المملكة داخل مقرات مراكز الاستثمار الجهوية (CRI)، مع توجه متزايد نحو مواكبة المستثمرين الجدد وتقديم الدعم التقني للمشاريع الممولة أو في طور التمويل.
وأوضحت أن هذا التحول لا يندرج فقط ضمن إعادة هيكلة تنظيمية، بل يعكس، في نظرها، تغيرا في التموضع الاستراتيجي للوكالة، التي كانت في الأصل موجهة لمواكبة ودعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، قبل أن يتم توظيفها، حسب تعبيرها، في خدمة برامج متعددة تابعة لقطاعات حكومية مختلفة، من بينها برنامج "غو سياحة" لفائدة وزارة السياحة، ثم برامج مرتبطة بوزارة الاستثمار في إطار "دعم الاستثمار".
ولفتت الانتباه إلى أن هذا التحول يجعل الوكالة تنتقل تدريجيا من فاعل موجه لدعم النسيج القائم من المقاولات إلى أداة لتنفيذ سياسات عمومية قطاعية ووزارية، بما يبعدها عن الدور الأساسي الذي أنيط بها عند تأسيسها سنة 2002. مضيفة أن هذا التطور يتم على حساب مهمتها الأصلية المتمثلة في هيكلة وتقوية ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، خصوصا الأكثر هشاشة، في وقت تتجه فيه الوكالة بشكل متزايد نحو نشر برامج “PME Master Classes” التي أصبحت تشكل محورا هيكليا في تدخلاتها.