ارتفاع أسعار الوقود.. نقابة تتوقع إفلاس 60.000 مقاولة خلال 2026

خديجة قدوري

طالبت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة الحكومة والدولة المغربية، بالتدخل الفوري لتأطير وتنظيم أسعار الوقود في المحطات، مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف الشراء الحقيقية للمخزونات التي تحتفظ بها شركات المحروقات حاليا.

ودعت، من خلال البيان الذي توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منه، إلى إجراء تدقيق مستقل في مستويات مخزون شركات المحروقات والتحقق من مدى امتثالها للالتزام بـ 60 يوما المنصوص عليه في دفاتر التحملات عوض 30 يوما المعمول به حاليا، والإعلان عن برنامج مرافقة ملموس ممول لدعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين في مواجهة الصدمات الاقتصادية المتكررة.

وحثت مجلس المنافسة على ضرورة فتح تحقيق معمَق دون تأخير في الممارسات التعريفية لشركات المحروقات والبنوك ومشغلي الاتصالات وشركات التأمين، التي تخنق الاقتصاد الحقيقي بسلوكياتها الاحتكارية.

ونادت بالتوقف عن تركيز أعمال الرقابة على الهياكل الصغيرة والانتقال إلى مواجهة الكبار بنفس الحزم إزاء ممارساتهم المنافية للمنافسة المُدانة مرارا وتكرارا.  وإتاحة الفرصة لقطاع الصيدلة للتطور، بالتنسيق مع المنظمات التمثيلية للصيادلة، دون عراقيل مصطنعة تحول دون المنافسة.

وطالبت الكونفدرالية بتعبئة فورية لجميع الأطراف المعنية بهذه "الزيادات التعسفية" في أسعار الوقود، التي تجري دون تنظيم فعلي أو رقابة حقيقية: الجمعيات المهنية، وغرف التجارة، والنقابات، ومنظمات المستهلكين، وممثلو الأمة.

توترات الخليج تشعل الجدل حول أسعار الوقود

وأوضحت الكونفدرالية أن النزاعات المسلحة التي تشهدها منطقة الخليج، ولا سيما الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فضلاً عن التوترات المتواصلة في الخليج العربي، أفضت إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار برميل النفط في الأسواق الدولية. غير أن هذه الأزمة الجيوسياسية.. باتت تُوظَّف بشكل سافر من قِبَل بعض شركات المحروقات العاملة بالمغرب لتبرير رفع تعسفي للأسعار، في حين أن الظروف الفعلية لتموينها لا تُسوِّغ ذلك بأي شكل من الأشكال.

وأشارت إلى أن دفاتر التحملات التي تفرضها الدولة المغربية على شركات المحروقات تُلزمها بتكوين والمحافظة على احتياطيات استراتيجية تعادل 60 يوماً من الاستهلاك قبل مزاولة نشاطها في السوق الوطنية. ويرتكز هذا الإطار التنظيمي على الظهير المتعلق بالقانون رقم 1-72-255، الذي يُحدد هدف 60 يوماً من مخزون الأمان للمحروقات.

وأضافت أن هذه الشركات لا تحتفظ حالياً سوى بـ 30 يوماً من الاحتياطيات، أي نصف المخزون التنظيمي الإلزامي. وقد تم تكوين هذه الاحتياطيات منذ حوالي شهر، بأسعار سابقة للتصعيد العسكري في الخليج، أي بتكاليف شراء أدنى بكثير من الأسعار الحالية.

رفع غير مشروع لأسعار المحروقات وصمت رقابي يثير الجدل

وأدانت إقدام الغالبية العظمى من محطات الوقود على رفع أسعارها بشكل استباقي وغير مشروع بمقدار درهمين للتر قبل تاريخ 16 مارس 2026، دون أي ترخيص رسمي أو نشر تنظيمي مسبق، وإغلاق محطات عديدة أبوابها عمدا طوال ليل 15 مارس، رافضة تزويد المواطنين والمهنيين بالوقود بالأسعار السارية المفعول آنذاك، لتعيد فتح أبوابها صباح 16 مارس بالأسعار المرتفعة الجديدة.

وأفادت الكونفدرالية أن أقلية ضئيلة جدا من المحطات فقط احترمت التزاماتها القانونية بالحفاظ على الأسعار المحددة حتى منتصف الليل وفق القواعد المعمول بها. واعتبرت أن هذه المحطات القليلة الشريفة تستحق التنويه، إذ مثلت استثناء نادرا في قطاع تسوده الفوضى .

وأشارت إلى أن أحد كبار المالكين في شركات المحروقات العاملة بالمغرب يترأس الحكومة الحالية، مؤكدة أن هذا الوضع يفرز تضاربا هيكليا في المصالح، لا يتلاءم مع متطلبات الحياد الذي يستوجبه تنظيم قطاع استراتيجي بأهمية قطاع الطاقة.

ولفتت الانتباه إلى أن نفوذ هذه المصالح النفطية يمتد إلى ما هو أبعد من الحكومة، إذ يطال البرلمان والمؤسسات التنظيمية والرقابية للدولة، فضلا عن وسائل الإعلام الوطنية. هذه الهيمنة تفسر الصمت المُريب لوسائل الإعلام الكبرى إزاء التجاوزات التعريفية ليومَي 15 و16 مارس ورفع سعر الوقود بدرهمين رغم شراء الكمية الاحتياطية بثمن منخفض، وغياب أي ردِّ فعل من سلطات الضبط التي كان بإمكانها التدخل.

الأزمات المتلاحقة تدفع المقاولات الصغيرة نحو الإفلاس الجماعي

وكشفت الكونفدرالية أن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، إلى جانب المقاولين الذاتيين، واجهوا خلال السنوات الأخيرة، دون دعم حكومي كافٍ، سلسلة من الصدمات غير المسبوقة، من بينها: جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية المديدة، وسبع سنوات متتالية من الجفاف أضعفت سلسلة التوريد الغذائي والزراعي، إضافة إلى الحرب في أوكرانيا وما رافقها من اضطراب في أسواق المواد الأولية، فضلا عن سنوات من التضخم المستمر الذي قلّص هوامش ربح هذه المقاولات.

وأشارت إلى أنه خلال أربع سنوات فقط اختفى ما يزيد على 150 ألف مقاولة، حيث أعلن إفلاس أكثر من 25 ألف مقاولة سنة 2022 (أشخاص معنوية وذاتية)، منها 99 في المائة مقاولات صغيرة جدًا. وارتفع العدد إلى أكثر من 33 ألف مقاولة سنة 2023، ثم إلى أكثر من 40 ألف مقاولة سنة 2024، قبل أن يبلغ حوالي 52 ألف مقاولة سنة 2025، في حين تظل 99 في المائة من هذه الحالات مرتبطة بالمقاولات الصغيرة جدا.

وأفادت أنه إذا أضفنا إلى هذه الصورة الأزمة الراهنة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود، فإن التوقعات تبدو كارثية. قد يتجاوز عدد الإفلاسات 60.000 مقاولة خلال سنة 2026، وأكثر من 200.000 مقاولة على مدى السنوات الأربع الأخيرة، ومعها مئات الآلاف من مناصب الشغل، إن لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة للحد من تداعيات هذه الأزمة على ملايين المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين.

ولفتت الانتباه إلى أن ما يزيد من وطأة هذا الواقع أن 2026 سنة انتخابية. وتثبت التجربة أنه في مثل هذه الفترات، لا يُطلَق أي برنامج ولا يتخذ أي إجراء حكومي ذو بال في اتجاه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين، في انتظار تشكيل حكومة جديدة. وهكذا ستجد هذه المقاولات نفسها مرة أخرى، وحيدة في مواجهة مصيرها، كما حدث سنة 2020 إبان أزمة كوفيد-19 والجفاف، ومعها السنة الانتخابية 2021.