كيف تدفع الأحياء الهامشية أبناءها نحو تصدّر "طوندونس" الجريمة؟

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

تصدّرت مؤخرا أحياء مولاي رشيد ودرب السلطان بمدينة الدار البيضاء “طوندونس” الجريمة والاعتداءات المسلحة، من خلال تداول بعض الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي توثق اعتداءات جسدية خطيرة وسط أزقتها.

وباطلاعنا على خريطة العنف والجريمة داخل المدن، نكتشف أن الأحياء التي تشكل مسرحا لجرائم الاعتداءات المسلحة والانحراف، هي تلك التي تعاني منذ عقود من الإقصاء والتهميش الاجتماعي، وارتفاع نسبة الهشاشة الاجتماعية، وغياب العدالة المجالية، والافتقار إلى مرافق القرب الرياضية والفنية والثقافية، وغياب تهيئة الفضاءات العمومية.

وبدل أن يتم التعامل مع هذه الأحياء بمقاربات تنموية، يتم اعتبارها كـ“مرآب” بشري كبير، يتم بناؤه على جنبات المدينة ويتم فيه تجميع الفقر والتهميش، وتخزين المشاكل الاجتماعية بعيدا عن المركز الذي يعتبر واجهة المدينة اللامعة.

لذلك لا يجب التعامل مع ظاهرة الإجرام وفهمها بمنطق أمني سطحي يربط العنف بالأفراد، بل الأمر يحتاج إلى مقاربة سوسيولوجية ونفسية وتنموية، تفسر لنا كيف تتحول بعض الأحياء إلى فضاءات منتجة ومصدّرة للعنف والتوتر والشعور بالإقصاء.

علم الاجتماع الحضري يعتبر أن الجريمة لا تصنع فقط داخل عقلية الفرد، بل وسط البيئة التي يعيش فيها. في حين يترعرع الفرد وسط حي يفتقر إلى فضاء يفرغ فيه طاقته أو يكتشف فيه ذاته ومواهبه، حينها يتحول فضاء الشارع إلى بديل للقيام بدور التربية والتوجيه، ويصبح المدرسة الحقيقية التي تمنح الفرد الإحساس بالانتماء والاعتراف الاجتماعي المبني على استعمال القوة والعنف، والتطبيع مع نموذج سلبي ذو سوابق عدلية في الغالب، يتخذه المراهقون والشباب داخل تلك الأحياء ويجعلونه بطلا وقدوة يُحتذى بها، بخلاف القدوة “الأيدول” بمفهومه الإيجابي الذي كان متداولا في السنوات الماضية، حيث كانت الأسر تحفّز به أبناءها للاجتهاد في مسارهم الدراسي والمهني.

من الناحية النفسية، هناك الإحساس الدائم بالتهميش والإقصاء والهشاشة، وكلها أشياء تولّد لدى أولئك الأفراد ما يشبه السخط تجاه محيطهم المكتظ، المفتقر للحس الجمالي، حيث يعتبرون أنفسهم خارج حسابات التنمية الحقيقية، محيط يمثل لهم واقعا أسودا يتعاطون فيه جميع أنواع المخدرات لتحقيق نشوة الهروب منه، فيتحول العنف لديهم لا شعوريا إلى لغة لإثبات ذواتهم، أو فرض الاعتراف بهم داخل مجتمع لا يراهم ولا يهتم بهم إلا حين يرتكبون الجرائم.

يمكن الحديث هنا أيضا عن المقاربة المجالية، فالكثير من مشاريع إعادة الإسكان تتم بمنطق عددي، ويكون الهدف منها فقط إيواء وإسكان “البشر” وليس بناء الإنسان والاهتمام به.

حي مولاي رشيد ودرب السلطان يبقيان نموذجا واضحا لهذا التناقض الحضري، وأحياء أخرى تشبهها سواء في البيضاء أو مدن أخرى، أخرجت لنا طاقات فنية ورياضية وبشرية كبيرة، لكنها ظلت لسنوات في المخيال الجماعي لدى المواطن كرمز للعنف والانحراف، بينما تم تجاهل الأسباب البنيوية التي ساهمت في إنتاج هذا الواقع، دون أن ننسى بعض الفاعلين السياسيين الذين تعاملوا مع تلك الأحياء باعتبارها “مشتلا انتخابيا” تُقدّم فيه الوعود عند بداية كل موسم انتخابي.

معالجة ظاهرة العنف والإجرام لا تقتصر فقط على تكثيف الدوريات الأمنية، التي تساهم بشكل كبير في الحد من الظاهرة، بل يجب إعادة التفكير في مفهوم العدالة المجالية والتنموية كمفهوم واسع وجب الوقوف عنده، فالمدينة التي تستثمر في ساكنتها من خلال برامج تنموية فعالة تحارب من خلالها البطالة والفقر، وتستثمر في بناء مرافق القرب والمسارح والمكتبات الرقمية والملاعب والحدائق داخل أحيائها الشعبية، هي مدينة تحاصر العنف قبل وقوعه. أما حين يتم اختزال التنمية في الإسمنت فقط، فإننا نبني أحياء قابلة للانفجار النفسي والاجتماعي في أي لحظة.