يوسف معضور: يا صاح، راني وسط الحملة.. "الانتخابية"!

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

بدأت رائحة الحملة الانتخابية تفوح وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الواقع دشنت حملات التزكيات المكوكية التي انطلقت من محطات الأحزاب بجميع أحجامها، ويكفي فقط أن تدخل إلى تلك المواقع لتكتشف أن عدداً من السياسيين دخلوا مرحلة “الإحماء الانتخابي” مبكراً، وكأننا على بعد أيام قليلة من موعد الاقتراع، لا شهوراً.

فجأة، انطلقت اللقاءات داخل القاعات المكيفة، وانتشرت الفيديوهات القصيرة للخطابات التي تُصاغ بدقة لتناسب منطق “الترند” بنبرة حادة تتوعد الفاسدين بسقوط مدوٍ، أكثر مما تناسب النقاش السياسي الجاد الذي يتطلع إليه المواطن!

ما يحدث اليوم يكشف لنا بالملموس إلى أي حد تحول جزء كبير من العمل السياسي إلى ممارسة تواصلية سطحية، هدفها صناعة الانطباع فقط لدى المواطنين، لا صناعة الأثر الإيجابي. فالفاعل السياسي الذي كان غائباً عن النقاشات الحقيقية المرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل، عاد اليوم في هيئة “صانع محتوى” مؤثر، يبحث عن التفاعل الرقمي أكثر مما يبحث عن الحلول.

الغريب في الأمر أن أغلب أولئك الفاعلين السياسيين باتوا يتعاملون مع المواطن باعتباره مستهلكاً للمحتوى، لا شريكاً أساسياً في صناعة القرار، لذلك تتم عملية تبسيط القضايا المعقدة في قالب شعارات قصيرة، واستبدال النقاش العمومي الحقيقي بجرعات من الخطاب العاطفي والشعبوية المتوحشة.

أصبحت السياسة عند أغلب السياسيين أقرب إلى عملية “ميزاجور” رقمي مستمر، يتم فيها إعادة تدوير الوجوه نفسها والخطابات والوعود نفسها، مع تغيير لون ربطات العنق والساعات السويسرية. وحتى النقد الذاتي غائب تماماً، إذ يُسمح فقط بمهاجمة التنظيمات الحزبية الأخرى حسب التموقع، ولا أحد يسأل: لماذا عزف المواطن عن العمل السياسي والمشاركة فيه؟ ولماذا أصبح جزء كبير من الشباب لا يتابع المشهد السياسي أو ينظر إليه بسخرية أو لامبالاة، كأن الأمر يتعلق بـ"سكرول" لفيديوهات مضحكة على تيك توك!

يظهر جلياً أن أكبر استثمار يقوم به السياسي اليوم هو الاستثمار في صناعة صورة جديدة له، وكأن الأزمة أزمة تواصل فقط، وليست أزمة أداء ومصداقية في الميدان.

ما نراه أيضاً هو انتقال النقاشات في السياسة من منطق التأطير الجاد داخل الجامعات ومراكز البحث ومقرات الأحزاب إلى منطق الفرجة والبوز، والفاعل السياسي الذي ننتظر منه أن يقدم تصوراً اقتصادياً أو اجتماعياً، أصبح في الغالب منشغلاً ببناء “personal brand” خاص به على المنصات الرقمية، وكأن النجاح السياسي يقاس اليوم بقدرة المرشح على تصدر “الطوندونس”، لا بقدرته على تقديم حلول واقعية لأزمات حقيقية تعيشها البلاد.

هذه “التسخينات” الرقمية تكشف لنا عن أزمة أعمق داخل الحياة السياسية نفسها، وتظهر لنا جلياً أزمة مؤسسات حزبية فقدت جزءاً كبيراً من حضورها الميداني، فلجأت إلى تعويض ذلك بحضور افتراضي مكثف على حساب الحضور الميداني. ناهيك عن أن المواطن لم يعد يفتقر إلى الخطابات، بل إلى عنصر الثقة، ولم يعد يبحث عن سياسي يجيد التقاط الصور وفصيح اللسان، بل عن سياسي يستطيع أن يحقق الوعود التي تُعطى وسط الحملة الانتخابية.