توسع عمراني وتلوث.. تقرير رسمي يدق ناقوس خطر التنوع البيولوجي

خديجة عليموسى

دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ناقوس الخطر بشأن الوضعية المقلقة التي بات يعرفها التنوع البيولوجي في المغرب، محذرا من تصاعد الضغوط الناجمة عن تحويل الموائل الطبيعية، والاستغلال المفرط للموارد، والتلوث، والتوسع العمراني غير المتحكم فيه، إلى جانب انتشار الأنواع الدخيلة الغازية والتداعيات المتفاقمة للتغيرات المناخية، معتبرا أن هذه التحولات أسهمت في إضعاف النظم البيئية الفلاحية والغابوية والرعوية والواحية والبحرية.

وأوضح المجلس، في رأي جديد بعنوان "التنوع البيولوجي في المغرب: من أجل حكامة متجددة في خدمة تنمية ترابية مستدامة"، قدم خلاصاته في لقاء تواصلي أمس الأربعاء بالرباط، أن المغرب يتوفر على ثروة طبيعية تصنفه ضمن البؤر العالمية الغنية بالتنوع البيولوجي على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية، بفضل تنوع مناخه وتعدد نظمه البيئية، وما يزخر به من غابات وجبال وواحات ومناطق رطبة ومجالات سهبية وسواحل وأوساط بحرية.

وأشار التقرير إلى أن هذا الموروث الطبيعي يضطلع بأدوار حيوية في الأمن الغذائي والمائي، وتنظيم التوازنات المناخية، وتعزيز قدرة المجالات الترابية على الصمود، كما يشكل رافعة للتنمية من خلال مساهمته في استدامة الأنشطة الفلاحية والغابوية والبحرية والسياحية، وفي الحفاظ على التوازنات الترابية.

لكن المجلس سجل، في المقابل، أن هذا الرأسمال الطبيعي يواجه ضغوطا متزايدة، ترتبط بتحويل الموائل الطبيعية وتدهورها، والتلوث، والتوسع العمراني والتصنيع غير المتحكم فيهما، والاستغلال المفرط للموارد، وضغط الطلب على الأراضي، وتكثيف الأنشطة الفلاحية، إضافة إلى إدخال أنواع دخيلة غازية إلى النظم البيئية المحلية.

وأضاف المصدر ذاته أن هذه التحولات تزداد حدة تحت تأثير التغير المناخي، الذي تتجلى انعكاساته في تزايد الظواهر المناخية القصوى، واختلال انتظام التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، وتوالي موجات الجفاف، واتساع مساحات التصحر، وتآكل السواحل، بما يحد من قدرة النظم الإيكولوجية على التجدد.

وسجل التقرير أن آثار هذه التحولات تمتد إلى الأنشطة الإنتاجية والتوازنات الترابية وظروف عيش السكان، موضحا أن الإجهاد المائي وتدهور التربة ينعكسان سلبا على الأنشطة الفلاحية، بينما يؤدي الضغط المتزايد على الموارد المائية إلى تعميق هشاشة المجالات الترابية، كما أن تراجع الموارد البحرية يضعف الأنشطة الاقتصادية الساحلية، في حين يؤثر تدهور الغابات ومجالات الرعي في استقرار المناطق الجبلية.

كما أبرز المجلس أن هذه التأثيرات تمتد أيضا إلى الواحات، بما تمثله من فضاءات ذات قيمة بيئية وفلاحية وثقافية كبرى، وبما تضطلع به من دور أساسي في تعزيز قدرة المجالات الترابية على التكيف والصمود.

وفي تشخيصه لوضعية التنوع البيولوجي بالمملكة، أفاد التقرير بأن التقديرات تشير إلى اختفاء ما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة، فيما تتعرض الثروة السمكية لضغوط متنامية، إذ تستغل عدة مخزونات بحرية عند مستويات تقترب من عتبات الاستدامة أو تتجاوزها، في حين يبقى جزء مهم من الإمكانات البيولوجية البحرية غير مستغل على الوجه الأمثل.

كما سجل التقرير اختفاء كليا أو تراجعا حادا لعدد من الأنواع الحيوانية المميزة للنظم البيئية المغربية، من بينها أسد الأطلس، وعدة أنواع من العواشب الصحراوية الكبيرة، مثل غزال المها الصحراوي وظبي الأداكس، إضافة إلى النعامة حمراء العنق وبعض أنواع النسور الكبيرة.

وربط المجلس هذه التحولات بتدهور الموائل الطبيعية وتجزئتها، والاستغلال المفرط للموارد، وضغط الأنشطة البشرية، معتبرا أن ذلك يدرج المغرب ضمن الدينامية العالمية للانقراض الجماعي السادس المرتبط بالأنشطة البشرية.

وتوقف التقرير، أيضا، عند بعض مظاهر الهشاشة التي أصابت النظم الزراعية الإيكولوجية، مشيرا إلى أن انتشار الحشرة القرمزية التي تصيب نبات الصبار، ومرض البيوض بالنسبة لأشجار النخيل، تسبب في خسائر كبيرة على مستوى الإنتاج، وتدهور دخل الساكنة في الوسط القروي، واستنزاف موارد عمومية مهمة.

وتابع المجلس موضحا أنه رغم التقدم المحرز على مستوى الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجيات المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة، فإن عددا من مواطن القصور ما يزال يحد من فعالية السياسات المعتمدة، مبرزا أن حكامة التنوع البيولوجي لا تزال تحتكم إلى منطق التدبير القطاعي المنعزل، وهو ما يقيد إدماجه العرضاني داخل السياسات العمومية.

وأضاف التقرير أن مستوى التنسيق بين القطاعات المعنية لم يبلغ بعد درجة الالتقائية الكفيلة بضمان الانسجام بين السياسات الفلاحية والمائية والبيئية والترابية والمالية، في وقت تستمر فيه المقاربات القطاعية في توجيه جانب مهم من الاختيارات الترجيحية العمومية، دون استحضار كاف للتفاعلات القائمة بين الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية والتنوع البيولوجي، ضمن مقاربة ترابطية بين هذه المجالات.

كما سجل المصدر ذاته أن توظيف المعارف العلمية وآليات الرصد البيئي لم يبلغ بعد المستوى الكفيل بإسناد القرار العمومي والاقتصادي على نحو فعال.

في هذا السياق، أوصى المجلس باعتماد قانون - إطار خاص بالتنوع البيولوجي، يهدف إلى توطيد الاستراتيجية الوطنية وخطة العمل للتنوع البيولوجي، باعتبارهما إطارا مرجعيا ومُلزما للفعل العمومي، مع ضمان اتساق السياسات القطاعية والمخططات والبرامج وآليات الاستثمار مع أهدافها وغاياتها ومؤشراتها.

وأوضح  أن اعتماد هذا القانون - الإطار من شأنه تعزيز الحكامة الوطنية للتنوع البيولوجي، من خلال إرساء آليات مندمجة للقيادة والتتبع وتقييم الرأسمال الطبيعي والخدمات الإيكولوجية التي تؤديها النظم البيئية.

ودعا المجلس، أيضا، إلى الارتقاء بالوضع القانوني للجنة الوطنية للتغير المناخي والتنوع البيولوجي ضمن منظومة الحكامة، وجعلها تحت إشراف رئاسة الحكومة، باعتبارها هيئة للقيادة الاستراتيجية والتحكيم الفعلي بين القطاعات، والسهر على ضمان انسجام السياسات العمومية مع الالتزامات الوطنية والدولية للمملكة في مجال التنوع البيولوجي والمناخ.