إلياس غاني (صحافي متدرب)
في سوق الأغنام، وسط غبار يتصاعد مع كل حركة، وأصوات ثغاء الأكباش التي تختلط بنداءات "الشناقة" والمشترين، في هذا الفضاء المزدحم الذي يسبق عيد الأضحى، والمشبع برائحة الصوف والتراب وعوادم الشاحنات، تبرز ملامح لا تنتمي إلى هذا العالم الخشن، أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و13 سنة، يتجولون بخطوات سريعة بين الحشود، يحملون قنينات ماء باردة، ومشروبا أصفر، فيه الكثير من الماء والقليل من نكهة البرتقال، وحزما من الحبال.
لا يوجدون في "الرحبة" لاختيار أضحية العيد مع آبائهم، بل هم جزء من الدورة الاقتصادية غير المهيكلة التي تنشط في هذه المناسبة. بوجوه لفحتها شمس الظهيرة، وأجساد تصارع ثقل ما يحملونه.
هي ظاهرة تتكرر سنويا، وتطرح تساؤلات حول واقع الطفولة، الفقر، وقانون الشغل في المغرب.
"محمد" ورفاقه يتقاسمون كدح "الرحبة"
في أطراف أحد أسواق الماشية الكبرى، غير بعيد عن المحور الرابط بين الدار البيضاء والمحمدية، يقف محمد، طفل بالكاد أتم عامه الثاني عشر. يضع قبعته الرياضية لتظليل وجهه، ويحمل في يده اليمنى قنينات بلاستيكية مجمدة، وفي اليسرى حزما من "القنب". يركض قاصدا كل مشتر يبدو عليه الإرهاق من كثرة المساومة. "ماء بارد، ماء بارد"، ينادي بصوت يغيب وسط الضجيج، "عمي اشري من عندي الماء فقط بدرهم".
غير بعيد عن محمد، يتنقل ياسين، علي، وكريم، ذوو الثلاثة عشر ربيعا، بحزم من "القنب". هذه الحبال المتينة تعتبر سلعة أساسية في "الرحبة"، إذ لا يكتمل مشهد شراء الكبش إلا بربطه من قرنيه وجره إلى السيارة أو العربة. يدركون ثلاثتهم، هذه الحاجة جيدا، لذا يتنافسون حول من يتمركز بذكاء بالقرب من بوابات الخروج أو بجوار الشاحنات الكبيرة التي تفرغ حمولتها. يبيع الحبل الواحد ببضعة دراهم، هامش ربحه قليل، لكنه يتراكم مع نهاية اليوم الطويل ليشكل مبلغا محترما بمعايير طفل في سنه.
هؤلاء الأطفال لا يبيعون السلع فقط، بل يبيعون جهدهم العضلي في بيئة قاسية. يستيقظون في ساعات الصباح الأولى، يجهزون بضاعتهم، ويتوجهون إلى السوق ليقضوا هناك أكثر من ثماني ساعات متواصلة تحت أشعة الشمس الحارقة.
الدوافع الاقتصادية.. العيد والفقر والتضامن العائلي
لا يندفع هؤلاء الأطفال نحو أسواق الماشية شغفا بالتجارة، بل خضوعا لضغط الحاجة الذي يضطرهم "للتغيب عن المدرسة"، يقول علي، خلال أيام العمل.
وتجد الأسر الهشة في هذه الفضاءات الموسمية فرصة لتحصيل سيولة عاجلة، حتى لو كان الثمن التضحية بالتحصيل العلمي وتحويل صغار في سن التمدرس إلى عمالة مؤقتة في قطاع غير مهيكل.
ونادرا ما تذهب هذه المداخيل للترفيه الشخصي للأطفال، يقول محمد: "جيت باش نعاون في مصاريف العيد". هذا التضامن الأسري المفروض يمنح الظاهرة قبولا اجتماعيا يشرعن عمالة القاصرين داخل السوق، حيث يقابل كدحهم بتعاطف يرى فيهم "رجالا" يعتمد عليهم، في غفلة تامة عن حرمانهم من حقوقهم الطبيعية في اللعب والراحة.
عمالة الأطفال خارج دائرة إنفاذ القانون
رغم هذا التطبيع الاجتماعي المبطن بالتعاطف، فإن القوانين الوطنية والمواثيق الدولية صريحة. مثلا، مدونة الشغل المغربية تحدد السن الأدنى للعمل في 15 سنة. الأطفال في سن 10 أو 13 سنة مكانهم الطبيعي هو فصول الدراسة أو المخيمات الصيفية وفضاءات اللعب، وليس أسواق الماشية العشوائية.
وعلى الصعيد الدولي، يصطدم هذا الواقع بالاتفاقيات الأساسية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، وكذا اتفاقيتا منظمة العمل الدولية رقم 138 المتعلقة بالحد الأدنى لسن الاستخدام، ورقم 182 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها.
وتصنف هذه المواثيق العمل في بيئات مشبعة بالضغط الجسدي والنفسي كـ"الرحبة" ضمن الأنشطة الخطرة التي تهدد السلامة البدنية والنمو الطبيعي للقاصرين.
ورغم وضوح هذه المرجعيات القانونية والحقوقية، فإن الواقع الميداني داخل أسواق الماشية يعكس فجوة في التنزيي، إذ يلاحظ وجود عناصر الأمن وقنوات إنفاذ القانون في محيط هذه الفضاءات لتأمين الحركة وتنظيم السير، دون أن يشمل هذا التدخل منع الأطفال القاصرين من ممارسة تلك الأنشطة التجارية.
المخاطر الجسدية والنفسية لعمالة الأطفال في "الرحبة"
يصنف العمل في الأسواق المزدحمة كـ"الرحبة" ضمن الأنشطة الخطرة التي تهدد السلامة البدنية للأطفال، حتى بالنسبة لمن تجاوزوا السن القانونية للعمل.
فهذه البيئة غير الآمنة تضعهم أمام خطر مستمر للتعرض لإصابات مباشرة من الحيوانات، فضلا عن حوادث السير المحتملة وسط فوضى الشاحنات والعربات المجرورة.
ويتفاقم هذا الوضع مع التعرض المباشر والمستمر لأشعة الشمس وسط غبار السوق، مما يجعلهم عرضة لضربات الشمس، والجفاف، والأمراض التنفسية.
وبعيدا عن حوادث السوق المباشرة، تترك طبيعة العمل آثارا صحية عميقة على أجساد هؤلاء الباعة الصغار. فحمل قنينات المياه الثقيلة والمشروبات لساعات طويلة يؤثر بشكل مباشر على نموهم البدني وسلامة أعمدتهم الفقرية التي لا تزال في طور التكوين.
كما أن قضاءهم فترات طويلة دون أخذ قسط من الراحة، والاكتفاء غالبا بقطعة خبز أو وجبات خفيفة غير مغذية بدل تناول وجبة صحية متكاملة، ينهك قواهم الجسدية بشكل ملحوظ.
ومن الناحية النفسية، يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم مجبرين على النضج قبل الأوان بسبب الاحتكاك المباشر بعالم البالغين بكل ما يحمله من خشونة وتلفظ بالكلمات النابية. في ساحة السوق، يتعلمون لغة المساومة الحادة، ويواجهون رفض الزبائن، ناهيك عن تعرضهم أحيانا للنصب أو التنمر أو سرقة بضاعتهم البسيطة.
وهذا الاحتكاك الخشن بتعقيدات الحياة يسلبهم جزءا كبيرا من براءتهم، ويدفعهم لتبني سلوكيات دفاعية تتناسب مع شراسة الشارع، مما قد يؤثر على توازنهم النفسي مستقبلا.
ضريبة الطفولة
ومع اقتراب غروب الشمس، وبدء زوال الحرارة، تتراجع حركة السوق تدريجيا. يجلس محمد وياسين وزملاؤهما، على الرصيف الترابي، يجمعان ما تبقى لديهما من بضاعة، ويحصيان الدراهم المعدنية التي التصقت بها الأوساخ وعرق اليوم الطويل. يعودان إلى منزليهما بخطوات متثاقلة وأجساد منهكة، ليجلسا حول مائدة العشاء، يحملان في جيوبهما الصغيرة جزءا من مساهمة العيد، وربما قصة قاسية من قصص "الرحبة".
وبين الحاجة الاقتصادية للأسر وضعف إنفاذ القوانين، تبقى صور الأطفال الذين قضوا أيامهم بين الغبار وحرارة الشمس شاهدة على واقع يتكرر كل سنة، واقع تتحول فيه الطفولة، داخل فضاءات موسمية غير مهيكلة، من مرحلة للحماية والتعلم إلى وسيلة للمساهمة في مواجهة أعباء المعيشة.