وصلت، مساء يوم أمس الأحد، إلى الدار البيضاء قادما إليها من أكادير. خططت لأن يستسلم بدني باكرا للنوم بسبب تعب السفر والالتزام بالاستيقاظ باكرا كي لا أفلت الموعد مع صالة الرياضة.
لا شيء مما سبق حصل، بل امتد السهر لما بعد الساعة الثانية من صباح اليوم الاثنين!
لماذا؟
بحكم التزام تعهدت به، قبل السفر، مع العائلة الكبيرة، أجبرت على طواف امتد لساعات، بحثا عن شباك سحب نقود داخل الخدمة.
كلما وقفت عند أحدهم، إما تستقبلك عبارة "هذا الشباك خارج الخدمة"، أو تُحقن بجرعات أمل زائف، حين تدخل البطاقة ورقمك السري، ثم تختار المبلغ الذي تريد سحبه، تصدمك على الشاشة عبارة: "لا يوجد رصيد كافٍ".
كم كان عدد الشبابيك التي حاولت الشيء نفسه أمامها؟ لا أتذكر بالضبط، ما أستحضره الآن أنني نزلت من السيارة وصعدت إليها عشرات المرات.
صادفت أشخاصا من مختلف الأعمار، تعلو وجوههم ملامح القهر والغضب واليأس... عند شباك بنكي بحي "التشارك" قريب من ثانوية "العقاد"، وقفت خلف شاب وشابة يبدو أنهما حديثا الزواج... التفاتة خاطفة من الشاب تجاهِي، ثم يتمتم بصوت مسموع "ما كين والو..." ... تجيبه "سيد عطيناه الكلمة... غدا في الصباح غادي يشد طريق للبلاد... ويدي معاه الحوالا..."
حينها، كان من المفترض أن أغادر المكان دون إطالة الانتظار، لأن هذا الشباك البنكي بدوره فارغ من السيولة... لكني لم أتحرك... لا أنا ولا الشاب والشابة من أمامه، وكأن سحرا سينزل من السماء أو يصعد من تحت الأرض، يملأ الحائط بالأوراق المالية...
انتبهت إلى أن لا فائدة من إطالة المقام هنا، وتذكرت، أيضا، أن حالة الشاب والشابة تتطابق مع الحالة التي سجنت نفسي داخلها، وإن كنت لست أنا الذي سوف يسمع صوت "التمعميع".
قبل أن أغادر، سألت الشاب ذاته: "واش كين شي بنك آخر قريب من هنا؟!" ... أجابني: "واخة يكون أخويا... الويكاند كامل لمشينا ليه كنلقاوه يا ما خدامش يا خاوي..."
انصرفت، وأنا أردد "اللعنة على من جعل من هذه المناسبة الدينية حصة عذاب يتلذذ الفراقشية الكبار والصغار باقترافها في حق المغاربة دون حسيب ولا رقيب".
نهاية الأسبوع المنصرم، اشتغل الزملاء والزميلات بالموقع على مقالات وتقارير تُنطق الواقع كما هو. نزلوا ونزلن للأسواق بحثا عن أكباش يقارب سعرها الثمن الذي صرح به وزير الفلاحة تحت قبة البرلمان، عبثا لم يجدوا.
حسب ما استقوه من شهادات مواطنين و"كسابة" و"شناقة"، فأسعار الأضحية تفوق الأعوام الماضية بالضعف وزيادة.
لا أثر لملايير دعم الاتجار في "البهايم" التي تخرج من جيوب المعذبين فوق هذه الأرض... لا تأثير لمذكرات ومراسلات وتوجيهات محاربة "الشناقة"... قرار وزارة الداخلية بتعليق أداء رسوم دخول أسواق الأغنام مجرد كوب ماء سكب فوق أطنان من الرمال...
داخل "رحبات الغنم" لا صوت يعلو فوق صوت "عندك 100 ألف والفوق ... غادي تعيد ... ما عندكش ... تكمش ..."
وخارجها مواطنون انتظروا قرب العيد وهم يترجون انخفاض أسعار "السنة المؤكدة" ... انتظار حولهم لضحايا على مرتين!
ضحايا ما يظهر أنه انتقام من "شناقة" يعاقبونهم على تأخرهم في صرف "لي وراهم ولي قدامهم من أجل كبش العيد" ... وضحايا أبناك لم تزود شبابيك السحب بالسيولة التي تجيب عن حجم الطلب على "اللكيد" ...
ما يقلق أكثر، ليس أسعار هذا العيد، بل القادم وما بعده...
كيف؟
لأن كل المؤشرات تؤكد أن هذه المناسبة تحولت بدورها إلى فرصة استغلال بشع ... يتضاعف سنة بعد أخرى ... لحظة انفجار جشع ينهب من المغاربة أجورهم ومدخراتهم وحتى أثاث منازلهم ... أسمع من الأقارب والأصدقاء، كل سنة، عن أسر تبيع ما تملك بمنزلها لتمارس طقوس النحر ... وقبله طقوس إخبار الجيران بأن "حولينا كبر من حوليكم ...!"
أمام كل هذا البؤس، أتساءل وتتساءلون أنتم أيضا، هل هناك جهة يمكن أن تتدخل لحماية المواطن من هذه السرقة المغلفة بالدين؟
ثم تتذكر أن من منحوا مسؤولية القيام بهذه المهمة هم بدورهم تجار الأزمات. هم أيضا ينتظرون هلال شهر ذي الحجة، لحصد الغنائم من الغنم وما يجاورها.
هم أيضا جعلوا من "العيد الكبير"... "عيد المحنة"... بل رسموا ويرسمون في الخفاء وعلنا خطة "ريمونتادا الفراقشية ضد المغاربة!"