قال وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، إن ورش المجموعات الصحية الترابية يمثل تحولا جذريا في نموذج الحكامة الصحية، يقوم على الانتقال من تدبير مركزي إلى تدبير جهوي متكامل يجعل من كل جهة فاعلا مسؤولا عن تخطيط وتدبير العرض الصحي وفق حاجياتها الفعلية.
وأوضح التهراوي، خلال جوابه على سؤال محوري بمجلس النواب، اليوم الاثنين، أن تنزيل هذا الإصلاح تم بشكل تدريجي ومسؤول، انطلاقا من إحداث المجموعة الصحية الترابية النموذجية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي شكلت مرحلة اختبار ميدانية سمحت بتقييم مختلف الجوانب التنظيمية والتدبيرية والعملية لهذا التحول.
وأفاد الوزير بأن هذه التجربة أبانت عن نتائج إيجابية، سواء من حيث تحسين التنسيق بين المؤسسات الصحية، أو تحسين الولوج إلى الخدمات، أو تسريع وتيرة التكفل بالمرضى، مع تسجيل عدد من التحديات المرتبطة بمرحلة الانتقال، جرى التعامل معها في إطار مقاربة تصحيحية.
وأشار وزير الصحة إلى أن هذا الورش دخل مرحلة جديدة وحاسمة مع التعيين الملكي لخمسة مديرين عامين للمجموعات الصحية الترابية، لافتا إلى أن ذلك يعكس الانتقال الفعلي من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.
وأبرز الوزير أن أحد أكبر التحديات التي تواجه المجموعات الصحية الترابية يتمثل في ضمان توفر الموارد البشرية الصحية الكافية، وإعادة التوازن في توزيعها بين الجهات وبين المجالين الحضري والقروي.
وفي هذا السياق، أبرز التهراوي أنه تم اعتماد إصلاحات هيكلية عميقة في منظومة تكوين وتدبير الأطباء الأخصائيين، من خلال المرسوم رقم 2.26.262 الصادر بتاريخ 30 أبريل 2026، في شأن وضعية طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، المتدربين والملاحظين والخارجيين والداخليين والمقيمين، والذي يقوم على تعميم التعاقد مع الدولة بالنسبة لجميع الملتحقين الجدد بالتخصص.
وأوضح الوزير أنه بموجب هذا النظام الجديد، سيقضي جميع الأطباء الأخصائيين الجدد فترة خدمة إلزامية بالمؤسسات الصحية العمومية بعد التخرج، لمدة أربع سنوات بالنسبة للأفواج الملتحقة سنتي 2026 و2027، وثلاث سنوات ابتداء من سنة 2028.
وسجل وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن هذا الإصلاح يشكل تحولا أساسيا، لأنه يضع حدا لوضعية كانت قائمة منذ 33 سنة، ويضمن إدماج جميع الأطباء الأخصائيين في خدمة المنظومة الصحية العمومية خلال مرحلة حاسمة من مسارهم المهني، بما يعزز العدالة في التوزيع ويقوي العرض الصحي الوطني.
كما أعلن الوزير أنه سيتم، ابتداء من شهر غشت المقبل، تعيين وتوزيع 530 طبيبا أخصائيا مباشرة بعد تخرجهم، في إجراء غير مسبوق أنهى التأخر الذي كان يصل أحيانا إلى سنتين بين التخرج والتعيين، وسيمكن من تعزيز العرض الصحي بشكل سريع وفعلي في المستشفيات.
وفي السياق نفسه، قال المسؤول الحكومي إنه تم هذه السنة فتح حوالي 2000 منصب للأطباء المقيمين في إطار النظام الجديد، معتبرا ذلك استثمارا استراتيجيا في المستقبل، لأن هذه الأفواج ستلتحق بالمؤسسات الصحية العمومية ابتداء من سنة 2030، وستشكل رافدا أساسيا للمجموعات الصحية الترابية على المستوى الجهوي.
في المقابل، اعتبر رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن التفعيل الحقيقي للمجموعات الصحية الترابية يقتضي استكمال تنزيل باقي مكونات الترسانة القانونية التي صادق عليها البرلمان، مبرزا أن هذه القوانين تشكل منظومة متكاملة تضم قانون المجموعات الصحية الترابية وقانون الوظيفة الصحية والهيئة العليا للصحة.
وأشار حموني إلى أن المجموعات الصحية الترابية لا يمكن أن تنجح دون تنزيل قانون الوظيفة الصحية، باعتباره الآلية الكفيلة بتحفيز الموارد البشرية وتشجيع الأطباء على الالتحاق بالمناطق النائية، معتبرا أن هذا القانون يشكل مدخلا أساسيا لمعالجة إشكالية توزيع الأطر الصحية بين الجهات والأقاليم.
كما تساءل عن الجهة التي ستتولى مراقبة ومواكبة المجموعات الصحية الترابية، قائلا إن هذا الدور يجب أن تضطلع به الهيئة العليا للصحة، وليس الوزارة، موضحا أن تعيين المديرين العامين للمجموعات الصحية الترابية لا يكفي ما دامت الهيئة العليا للصحة لم تفعل بعد.
من جهته، انتقد سعيد بعزيز، عضو الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، انتقال الوزارة إلى إحداث مجموعات صحية ترابية جديدة قبل تقديم تقييم واضح للتجربة النموذجية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وقال بعزيز إن الوزير سبق أن التزم بأن تكون لدى المغرب مجموعة صحية ترابية نموذجية تخضع للتقييم قبل المرور إلى باقي المجموعات، غير أنه لم يقدم، بحسبه، لا النتائج ولا التقييم ولا أي معطى بخصوص هذه التجربة قبل الانتقال إلى إحداث مجموعات أخرى، متسائلا عما إذا كان الأمر لا يعكس "ارتجالا وعشوائية في التدبير".
وأضاف أن الهيئة العليا للصحة، المحدثة بموجب القانون رقم 07.22 الصادر في 30 نونبر 2023، كان يفترض أن تضطلع بأدوار أساسية في التأطير التقني للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض وتقييم جودة الخدمات الصحية، معتبرا أن تفعيلها كان من شأنه المساهمة في معالجة عدد من الإشكالات التي يعرفها القطاع.