أجهزة "جرانديزر" لمحاربة الغش في الامتحانات!

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

لم أجد أي إنجاز قامت به وزارة التربية الوطنية يشفع لها، انجاز على الأقل يسحبنا قليلا إلى المراتب المتقدمة في سلم مؤشر التنمية العالمي.

في كل موسم امتحانات، تعيش أقسام الوزارة حالة استنفار قصوى، تُعلن فيها الحرب على الغش بكل ما أوتيت من أجهزة وكاميرات ورادارات بشرية وإلكترونية، وكأن المعركة الحقيقية تُحسم داخل قاعات صغيرة، لا يتجاوز عمرها ثلاث ساعات !

المفارقة الصادمة أن هذا الحزم المفرط في مراقبة التلميذ " الحيط القصير "في اللعبة ككل ، أمام أبواب المؤسسات التعليمية باستعمال أجهزة متطورة قادرة على كشف سماعة صغيرة مخبأة داخل الأذن، لكنها عاجزة عن كشف مئات أشكال الغش التي يتعرض لها التلميذ خارج جدران الأقسام الدراسية كل يوم !

ربما يتناسى المسؤولين أن التلميذ الذي يدخل قاعة الامتحان اليوم، يدخلها محملا بصور كثيرة عن الغش والتلاعب و لتحايل على القانون، شاهد على الغش في تدبير الشأن المحلي، في الصفقات العمومية، في الخدمات الصحية الأساسية، في الدعم العمومي الموجه " للشناقة الكبار" عوض مربي الاغنام الحقيقين، الغش في صفقات تحلية المياة والأدوية و غيرها..

التلميذ المطوق اليوم بآلات تخفيه أكثر ما تكشف محاولة غشه، يشاهد من ينجح أحيانا بالوساطة أكثر مما ينجح بالكفاءة، ومن يتقدم بالعلاقات أكثر ما يتقدم بالاستحقاق وبدل المجهود!

قد نتجاوز مسألة رصد التلميذ الغشاش بأجهزة إلكترونية دقيقة، لكن من سيحاصر الغش حين يتحول إلى سلوك اجتماعي يومي؟ من يقنع ذلك التلميذ بقيمة الاستحقاق وهو يرى نماذج عديدة تحقق المكاسب بطرق أخرى؟

أعتقد أن أخطر أشكال الغش ليس ذلك الذي يقع خلال ثلاث ساعات من الامتحان، بل ذلك الذي يتسرب إلى وعي الأجيال لسنوات طويلة، فالسماعة الإلكترونية أو الهاتف الذكي يمكن مصادرتهم، أما الشعور بانعدام تكافؤ الفرص و التهميش و الاقصاء لا يمكن نزعهم بجهاز كاشف للمعادن شبيه بآلات الالكترونية التي كانت تستعمل في السلسلة الكارتونية " جرانديزر " بداية التسعينيات !

صحيح أنه لا أحد يدافع عن الغش أو يكرسه داخل الامتحانات ولا خارجها، وتكافؤ الفرص يقتضي منا جميعا الحرص على تطبيقه بحزم، لكن للاسف يتم اختزال أزمة التعليم في مطاردة التلميذ وحده يشبه معالجة فقط الحمى وترك الداء ينتشر في الجسد بكامله !

قبل أن نُدخل أحدث أجهزة رصد الغش إلى الأقسام، ربما نحتاج إلى أجهزة أكثر دقة لرصد الغش في صناعة الأمل لدى لدى التلميذ، حينها سيدخل إلى قاعة الامتحان مقتنعا بأن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى ارتداء سماعات جد متطورة ولا "حجابات "مكتوبة في أوقات متأخرة بالليل، ولا حتى مراقبة صارمة وأن نقتنع جميعا أننا نعيش في وطن يعد مدرسة كبيرة لتكافؤ الفرص والاستحقاق!

أرجوكم .. كفى من العبث و الاساءة إلى صورة الوطن بقرارات و اجراءات تضحك فيها الاخرين، أكثر ما تجلب الاعجاب و التنويه !