بعد تزايد مهامهم.. موظفو العدل بمحاكم فاس يشتكون الخصاص في الموارد البشرية

كمال شغوري

ردّ كتّاب الضبط بمحاكم فاس على دعوة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إلى التحلي بالصبر في مواجهة ضعف وقلة الموارد البشرية التي تعاني منها العديد من محاكم المملكة، وخاصة محاكم فاس، مؤكدين أن صبرهم قد نفد أمام التراكم المتزايد للمهام والمسؤوليات.

وأوضح موظفو كتابة الضبط، خلال ندوة صحافية نظمتها النقابة الديمقراطية للعدل، المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، مساء أمس الأربعاء، بمدينة فاس أن الخصاص الحاد في الموارد البشرية بلغ مستويات مقلقة، تهدد السير العادي للمرفق القضائي، بمحاكم العاصمة العلمية.

وكشف أحمد اليوسفي، الكاتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل بفاس، عن تراجع كبير في عدد موظفي هيئة كتابة الضبط بمحاكم المدينة، مقابل التوسع المستمر في المهام والاختصاصات والأعباء المهنية، في ظل غياب إجراءات عملية من وزارة العدل لمعالجة هذا الخصاص البنيوي الذي بات يهدد فعالية الإدارة القضائية.

وأوضح اليوسفي أن محاكم فاس تعيش نزيفا متواصلا في مواردها البشرية، بالتوازي مع ارتفاع متزايد في حجم العمل، مشيرا إلى أن عدد الموظفين برئاسة محكمة الاستئناف بفاس انتقل من 146 موظفا إلى 103 موظفين، أي بفقدان 43 موظفا. كما تراجع عدد الموظفين بالنيابة العامة لدى المحكمة نفسها من 88 موظفا إلى 64 موظفا، أي بفقدان 24 موظفا، في مقابل ارتفاع كبير في نسبة الملفات والمحاضر المعالجة.

وعلى مستوى رئاسة المحكمة الابتدائية بفاس، قال اليوسفي إن عدد الموظفين انتقل من 216 موظفا إلى 197 موظفا، أي بتراجع بلغ 19 موظفا، فيما انخفض عدد الموظفين بالنيابة العامة لدى المحكمة ذاتها من 92 موظفا إلى 79 موظفا، أي بفقدان 13 موظفا. أما بالمحكمة الابتدائية التجارية بفاس، فقد تراجع عدد الموظفين من 54 إلى 36 موظفا، أي بفقدان 18 موظفا.

وازداد الوضع خطورة، بحسب المعطيات التي كشفت عنها النقابة الديمقراطية للعدل، مع قرار حذف المحكمتين الابتدائيتين التجارية والإدارية بمكناس وإحالة جميع ملفاتهما واختصاصاتهما على المحكمتين التجارية والإدارية بفاس، دون أي تعزيز مواز للموارد البشرية، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الملفات والقضايا المعروضة على هاتين المحكمتين.

وبلغ مجموع، ما فقدته محاكم فاس، خلال السنوات الأخيرة، ما لا يقل عن 117 موظفة وموظفا، وهو رقم وصفته النقابة بـ"الصادم"، بالنظر إلى الإحالات المتزايدة على التقاعد، والتنقلات، والرخص طويلة الأمد، مقابل محدودية التوظيفات والتعيينات الجديدة.

وسجلت النقابة، إسناد مهام واختصاصات جديدة ومتعددة لهيئة كتابة الضبط، من بينها تنزيل مشاريع التحول الرقمي ورقمنة العدالة، وتدبير أنظمة التقاضي الإلكتروني والخدمات الرقمية، والإشراف الإداري والتقني على المحاكمات عن بعد، ومواكبة إحداث الغرف المالية مع تفرضه من متطلبات تنظيمية وإجرائية خاصة، إضافة إلى تنزيل منظومة العقوبات البديلة وتتبع تنفيذها.

ومن المهام الطارئة على كتابة الضبط حسب الكاتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل، تدبير المنصات الرقمية وقواعد البيانات القضائية، وإعداد الإحصائيات والمؤشرات والتقارير الدورية، ومواكبة برامج الجودة والتقييم والتحديث الإداري، فضلا عن ضمان استمرارية الخدمات القضائية والإدارية بمختلف المصالح والشعب والأقسام.

وأكدت النقابة أن استمرار هذا الوضع لم يعد مجرد إشكال تدبيري عابر، بل تحول إلى أزمة حقيقية ذات آثار مباشرة على الموظفين وعلى جودة الخدمات القضائية، تتجلى في الارتفاع المهول لحجم العمل الفردي، وتفاقم الضغط المهني والنفسي وما ينتج عنه من حالات الإجهاد والاحتراق المهني، وصعوبة تغطية المصالح والأقسام التي تعاني خصاصا في الموظفين، وتعذر الاستفادة من الرخص والتكوينات في العديد من الحالات حفاظا على استمرارية العمل، فضلا عن تراكم الملفات وتعقد مساطر الإنجاز، والتأثير المباشر على جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، وتهديد مبدأ استمرارية المرفق العام باعتباره أحد المبادئ الدستورية الأساسية.

وأكدت النقابة أنه ورغم الإكراهات السالفة الذكر، فإن موظفات وموظفي هيئة كتابة الضبط يواصلون أداء واجبهم المهني بكل تفان ومسؤولية، ويقدمون تضحيات كبيرة لضمان استمرارية العمل القضائي وتفادي أي ارتباك قد يمس مصالح المواطنين والمتقاضين.

ويطالب فيدراليو العدل بفاس بضرورة وضع خطة استعجالية لسد الخصاص المهول في الموارد البشرية بمحاكم فاس، وتخصيص مناصب مالية استثنائية تتناسب مع حجم النشاط القضائي المسجل بها، واعتماد معايير موضوعية وعادلة في توزيع الموارد البشرية وفق حجم القضايا والاختصاصات، إلى جانب تعزيز المحاكم، بما فيها المتخصصة، بالموارد البشرية اللازمة لمواكبة الارتفاع المتزايد في الملفات.

كما طالبوا بتوفير موارد بشرية متخصصة لمواكبة أوراش الرقمنة والمحاكمة عن بعد والعقوبات البديلة، وتحسين ظروف العمل وتوفير الإمكانيات اللوجستيكية والتقنية الكفيلة بضمان جودة الخدمات، فضلا عن فتح حوار جدي ومسؤول حول مستقبل الإدارة القضائية ومكانة هيئة كتابة الضبط داخل منظومة العدالة.