علبة بروتين بملصق لامع، ووعود بنتائج سريعة تختصر الطريق نحو الجسد المثالي، هكذا تبدأ الحكاية.. لكن ما يخفيه هذا المشهد أكثر تعقيدا مما يبدو.
لم تعد مكملات التغذية الرياضية مجرد منتوجات موجهة لرواد القاعات والرياضيين، بل تحولت إلى سوق تتنامى بوتيرة لافتة، تتجاور فيها العلامات الأصلية مع أخرى مقلدة، وتختلط فيها النصائح العلمية بالإعلانات المضللة.
وبين مستهلك يبحث عن نتيجة سريعة، وسوق تتحرك أسرع من القوانين، يبرز سؤال جوهري: من يحمي المستهلك من سوق تتقاطع فيها التجارة مع المخاطر الصحية؟
داخل السوق.. من مختلف الفئات
رفوف مصطفة بعناية، علب وأكياس من مختلف الأحجام مكتوبة بلغات أجنبية، ألوان وإضاءة تركز على التفاصيل، هكذا تبدو محلات بيع المكملات الغذائية المتعلقة بالمجال الرياضي.
يتحرك الزبناء بثقة، أغلبهم من الشباب أحدهم يسأل عن نوع معين من "البروتين"، وآخر يتفحص علبة "كرياتين"، وثالث يكتفي بالنظر قبل أن يحسم اختياره.
هذا الانتشار لا يقتصر على نوع واحد من المكملات، يقول محمد بلانشيط، مدرب كمال الأجسام وبطل المغرب سابقا لـ"TELSPORT عربي"، موضحا "في مجال الرياضة، وخاصة كمال الأجسام، يتم استعمال البروتين، وهو ضروري لبناء العضلات"، إلى جانب مكملات أخرى مثل الفيتامينات والمعادن، ومشيرا إلى أن "الكرياتين من أكثر المكملات استخداما حاليا، سواء لدى الرجال أو النساء".
الوصول إلى ما يحدث داخل هذا السوق لم يكن بنفس السهولة، موزع يعمل لدى شركة متخصصة في المكملات الغذائية لم يرغب في الحديث لـ"TELSPORT عربي"، بدا متحفظا، غير مقتنع بجدوى التصريح، ومترددا في الخوض في تفاصيل مجال يعرف حساسية النقاش حوله، وبعد أخذ ورد، قبل بالحديث، شرط عدم الكشف عن هويته.
هذا الشاب الذي دخل مجال السوق منذ ما يزيد على عقد من الزمن، يبرز أن المنتوجات التي يسوقها "تستورد من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا" من شركات معروفة، وأنها تمر عبر مسار قانوني واضح.
ويضيف أن جزءا من السوق لا يسير وفق نفس النهج، إذ تدخل بعض المكملات الغذائية، بحسب تعبيره، عبر قنوات غير قانونية، سواء من خلال التهريب أو عبر منصات رقمية لا تخضع للمراقبة، ما يفتح المجال أمام تداول منتوجات مجهولة المصدر أو غير مطابقة للمعايير.
ويشير الموزع ذاته إلى أن هذا الوضع يجعل المستهلك أمام عرض متنوع يصعب التمييز فيه بين ما هو مرخص وما هو خارج أي إطار قانوني.
نحو الجسد المثالي
لم تعد المكملات الغذائية مجرد منتوجات موجهة للرياضيين، بل تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى سوق سريعة النمو، تخترق القاعات الرياضية ومنصات التواصل الاجتماعي، في ظل فوضى تطرح أكثر من علامة استفهام.
بدوره، يعتبر عبد الحكيم الترزاني، متخصص في الإعداد البدني والتدليك الطبيعي، في تصريح لـ"TELSPORT عربي"، أن "استهلاك المكملات الغذائية أصبح اليوم منتشرا بشكل متزايد لدى الجميع، سواء لدى الرياضيين المحترفين أو غيرهم".
ولا ينفصل هذا التغيير عن عوامل موازية، في مقدمتها الانتشار المتزايد للقاعات الرياضية في مختلف المدن، إلى جانب التأثير القوي لوسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في ترسيخ نمط كمال الأجسام كموضة رائجة.
وفي ظل غياب معطيات رسمية دقيقة، تشير تقديرات مهنيين إلى أن سوق المكملات الغذائية بلغ حوالي 900 مليون درهم سنة 2023، بينما ترفعه تقديرات أخرى إلى ما بين 2 و3 مليارات درهم، في قطاع غير مهيكل يصعب ضبطه بإحصائيات رسمية.
هذا التنامي يوازيه طرح تساؤلات من داخل المجال نفسه حول طبيعة هذا السوق، وفي هذا السياق، يقول حبيب صابر، بطل وطني ودولي في كمال الأجسام الملقب بـ"pazado"، إن بعض الأشخاص داخل هذا المجال يحاولون "كشف المستور"، حيث يكشفون أن سوق المكملات الغذائية في المغرب تعرف نوعا من الاحتكار، إذ تهيمن عليها ثلاث أو أربع شركات كبرى تعتبر من الفاعلين الرئيسيين في هذا القطاع.
ويضيف صابر، في تصريح لـ"TELSPORT عربي"، أن هذا الاحتكار ينعكس بشكل واضح على الأسعار، التي تبقى مرتفعة مقارنة بعدد من الدول، مثل أوروبا أو دول الخليج، مشيرا إلى أن مكمل "الكرياتين"، على سبيل المثال، لا يتجاوز سعره في الخارج نحو 10 يورو، بينما يصل في المغرب إلى حوالي 35 يورو، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، "فرقا كبيرا في الأسعار".
من الاستهلاك إلى التجربة
آدم (31 سنة)، يقر أنه يستعمل المكملات الغذائية "لكن ليس بشكل مفرط أو عشوائي"، مضيفا أن "المشكل الأساسي هو أن هذا المجال في المغرب لا يزال غير مؤطر بشكل كاف".
ويشير هذا الشاب، في حديثه لـ"TELSPORT عربي"، إلى أنه لا يمكن التأكد دائما مما إذا كانت هذه المنتوجات أصلية أو مستوردة بطريقة قانونية.
كما يحذر من أن العديد من الأشخاص يتناولون هذه المكملات دون استشارة طبية، ما قد يسبب مضاعفات صحية.
لا يقف الإشكال عند حدود المكونات، بل يمتد، بحسب مهدي عباد، فاعل جمعوي في مجال رياضة بناء الجسم، إلى طريقة التعامل مع هذه السلع داخل السوق.
ويقدم عباد، في تصريح لـ" TELSPORT عربي"، مثالا دالا، بالقول "إن بعض المكملات التي يظهر عليها خلل في الجودة، مثل تكتل المسحوق أو غير ذلك، يتم سحبها شكليا من الزبون، دون أن يتم إتلافها، ليعاد تسويقها عبر قنوات أخرى".
ويضيف أن هذه المنتوجات قد تباع بثمن منخفض لبعض القاعات أو المحلات، حيث يتم استعمالها في تحضير مشروبات أو وصفات، ما يجعل العيب غير ظاهر بالنسبة للمستهلك.
كما يشير عباد إلى أن بعض المكملات القريبة من انتهاء الصلاحية تستمر في التداول داخل السوق دون تخفيض حقيقي في السعر، خلافا لما هو معمول به في أسواق خارج المغرب.
من جانبه، يوضح الترزاني أن "العديد من الأشخاص أصبحوا يستهلكون هذه المكملات بناء على ما يسمعونه فقط، دون أي تأطير طبي"، وهو ما يؤدي، بحسبه، إلى استعمال عشوائي قد تكون له آثار سلبية.
ويضيف أن هذا السلوك يجعل عددا من المستهلكين "يقومون بتجميع عدة مواد في آن واحد، دون معرفة الجرعات المناسبة أو الحاجة الحقيقية لها"، وفي المقابل، يشير الترزاني إلى أن فئة أخرى تعتمد مقاربة مختلفة، تقوم على إجراء تحاليل طبية وتحديد دقيق لحاجيات الجسم قبل اللجوء إلى هذه المكملات، في تمييز واضح بين الاستعمال العلمي والاستعمال القائم على التجربة.
من جانبه، يرى بلانشيط، من خلال تجربته أن الاستعمال الصحيح للمكملات لا ينبغي أن يتم بعشوائية، بل لا بد من اللجوء إلى تحاليل طبية لمعرفة ما يحتاجه الجسم وما يجب تفاديه.
هذا الاستهلاك غير المنظم لا يكون فقط نتيجة غياب التأطير أو ضعف الوعي، بل يتغذى أيضا من طبيعة الخطابات الإشهارية المتداولة حول هذه المواد خاصة على المنصات الرقمية، حيث تتحول الإعلانات إلى المصدر الرئيسي للمعلومة بالنسبة لعدد من المستهلكين.
حين تتحول الشاشة إلى سوق
بمجرد البحث عن هذه المكملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تنهمر عليك الإشهارات تباعا، وعود سريعة لا تحتمل الانتظار "أقوى العروض مستمرة"، "الكمية محدودة"، "نتائج مضمونة في أسابيع".
ومع الإعلانات المنتشرة والممولة، تروج عدد من المكملات الغذائية على أنها حاصلة على شهادة من المكتب الوطني للسلامة الصحية "أونسا"، عبر إبراز شعاره على العلب من أجل كسب مزيد من الثقة.
وفي هذا الصدد، تفيد المعطيات الرسمية التي توصلت بها "TELSPORT عربي" من المكتب الوطني للسلامة الصحية "أونسا"بأن مسطرة تسجيل المكملات الغذائية تؤطرها الدورية المشتركة رقم 834 الصادرة بتاريخ 14 نونبر 2023 عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمتعلقة بالمواد الغذائية والمشروبات الموجهة لتغذية خاصة.
وبموجب هذه المسطرة، تخضع المكملات الغذائية لتسجيل مسبق إلزامي لدى الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية قبل طرحها في السوق، بعد دراسة الملف من طرف لجنة تقنية تضم ممثلين عن قطاع الصحة و"أونسا"، كل في حدود اختصاصاته، قبل تسليم شهادة تسجيل لمدة خمس سنوات.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن مؤسسات إنتاج المكملات الغذائية تخضع، طبقا للقانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، للاعتماد الصحي المسلم من طرف "أونسا"، بعد استيفاء متطلبات السلامة والنظافة والتتبع وسحب المنتجات غير المطابقة، على أن تحمل المنتجات المحلية رقم التسجيل المسلم من الوكالة ورقم الاعتماد الصحي المسلم من "أونسا"، بينما تحمل المنتجات المستوردة رقم التسجيل واسم وعنوان المستورد.
لكن خلف هذا التدفق، لا تبدو كل القنوات متشابهة، فهناك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض المنتوجات ورقم الهاتف أو الواتساب فقط، بينما توجد فئة أخرى من التجار تعتمد على الإشهار الرقمي، لكنها تحرص على إظهار هويتها بشكل واضح، مع الإعلان الصريح عن عنوان المحل وموقعه، ما يمنح المستهلك إمكانية التحقق من الجهة التي يتعامل معها.
في محاولة لفهم ما يروج على هذه المواقع، تواصلنا مع أحد الباعة. في البداية، بدا الحديث عاديا، قدم عرضا حول "باك" متكامل، شرح مكونات المنتوج، محاولا إقناعنا بفعاليته، قبل أن ينهي المكالمة بشكل مفاجئ بمجرد طلب الإدلاء بتصريح صحفي أو الكشف عن هويته.
وفي هذا السياق، ترصد الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية جملة من الاختلالات التي تشوب هذا السوق، من بينها طرح منتجات دون ترخيص مسبق ودون المرور بمساطر التسجيل والمراقبة، والتضليل في البيانات والادعاءات التسويقية، من خلال الترويج لخصائص علاجية مزعومة لا يسندها دليل علمي موثوق، فضلا عن ضعف الشفافية في الإعلان عن المكونات، وانتشار الاستيراد غير الرسمي، خاصة عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق، يشير بلانشيط إلى أن المكملات الغذائية "إذا كانت من شركات معتمدة، فهي لا تشكل خطرا"، لكنه يحذر في المقابل من تلك التي تباع عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"إنستغرام".
وبدوره، يكشف عباد عن خلل بنيوي في مسار إدخال هذه المنتوجات، موضحا أن "الترخيص يتم غالبا بناء على عينة أولية منها، دون أن تخضع باقي الشحنات لنفس مستوى المراقبة".
ويضيف المتحدث ذاته أن هذا الوضع يفتح المجال أمام تغييرات لاحقة في تركيبة المنتوجات بعد الحصول على الترخيص، في غياب تتبع فعلي يضمن مطابقة ما يسوق لما تم التصريح به في البداية.
داخل القاعات، يتخذ هذا المشهد بعدا إضافيا، إذ يشير الترزاني إلى أن "القاعات الرياضية أصبحت تبيع هذه المنتوجات بشكل تجاري أكثر من كونه تأطيرا صحيا أو توجيها علميا للمستهلك.
من جهته، يشير الدكتور عزيز كحيوش، خبير في الإعداد البدني والتغذية الرياضية، إلى أن المكملات التي تدخل إلى المغرب دون ترخيص، "خطيرة"، موضحا أنها تدخل عبر منصات رقمية مثل تطبيقات البيع الإلكتروني، أو عن طريق التهريب، لتباع لاحقا في محلات غير مرخصة أو عبر قنوات غير رسمية، دون أي ضمانات تتعلق بمصدرها أو مكوناتها.
ويحذر كحيوش، في حديثه لـ"TELSPORT عربي"، من اقتناء المستهلك، خاصة الرياضي، المكملات دون معرفة ما تحتويه فعليا، رغم أن ما هو مدون على العلب قد لا يعكس بالضرورة المكونات الحقيقية، مشيرا إلى أن بعض هذه المنتوجات قد تحتوي على مواد محظورة، مثل مشتقات التستوستيرون أو المواد المنشطة (الأنابوليك)، وهو ما قد يتسبب في مشاكل صحية أو في تورط الرياضيين في قضايا منشطات دون علمهم.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع معطيات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي أكدت أنها سجلت، في إطار أنشطة المراقبة واليقظة، وجود مواد غير مصرح بها أو محظورة ضمن تركيبة عدد من المكملات الموجهة للرياضيين، معتبرة أن هذه المواد قد تشكل مخاطر صحية جسيمة، خاصة في حال الاستعمال المفرط أو دون إشراف مهنيي الصحة.
من جانبه، يلفت عباد إلى غياب مختبرات قادرة على التحقق من مطابقة المكونات لما هو مدون على الملصقات، موضحا أن "المستهلك لا يتوفر على وسيلة لمعرفة ما إذا كانت النسب المعلنة حقيقية".
ويشير الفاعل الجمعوي في مجال رياضة بناء الجسم إلى أن هذا الفراغ يفتح المجال أمام التلاعب، إذ يمكن تقليص نسب المواد الأساسية، مثل البروتين، دون أن ينعكس ذلك على المعطيات المكتوبة، ما يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى الثقة والجودة.
بين "الفضح" والدفاع عن السوق
لم يعد النقاش محصورا في جودة المنتوجات أو مصدرها فقط، بل أصبح الحديث حول "الحقيقة" نفسها: من يبيع ماذا؟ وبأي ثمن؟ ولصالح من؟
هذا الجدل طفا إلى السطح بشكل واضح على منصات التواصل الاجتماعي، حين خرج مؤثر مغربي يدعى أشرف بتصريحات أثارت نقاشا ملحوظا داخل المجال.
ففي شريط فيديو متداول، تحدث عما اعتبره ممارسات غير قانونية تمس بسلامة المستهلك، متهما عددا من البائعين وأصحاب المحلات بترويج مواد مهربة أو مغشوشة على أساس أنها منتوجات أصلية، مشيرا إلى أن بعض المواد تقدم على أنها "كرياتين" أو "بروتين"، في حين أنها مجرد خلطات منخفضة التكلفة بنكهات صناعية.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أكد أن حتى المنتوجات الأصلية لا تنجو من الزيادات، كاشفا أن هامش الربح قد يبلغ 300 في المائة، ومستدلا بحالة أحد أنواع البروتين الذي لا يتجاوز سعره في أوروبا 13 أورو، في حين يعرض في المغرب بما بين 1200 و1300 درهم.
هذه الرواية، التي وجدت صدى كبيرا لدى عدد من المتابعين، لم تمر دون رد داخل السوق، فالموزع (revendeur)، الذي التقيناه، يرى أن هذا النوع من التصريحات "ليس بريئا"، بل يعكس، حسب تعبيره، محاولة "البحث عن موطئ قدم في المجال".
ويتابع الموزع ذاته أن المنتوجات التي يسوقها تأتي من شركات معروفة، ويتم استيرادها بشكل قانوني، وأن ما يتم تداوله حول الأرباح المرتفعة، "كلام غير صحيح".
بين روايتين متقابلتين، تتضح صورة أكثر تعقيدا، من جهة، خطاب يتحدث عن الغش والتهريب وهوامش ربح مرتفعة، ومن جهة أخرى، دفاع عن سوق منظمة، وبينهما، مستهلك يجد نفسه أمام روايات متضاربة.
ومن بين الممارسات التي تثير الكثير من الجدل، بحسب صابر، غياب المصداقية داخل هذا السوق، من بينها ما يتم تداوله حول تغيير تواريخ صلاحية بعض المنتوجات.
ويوضح البطل الوطني والدولي أن هذه الممارسات، بحسب ما يروج داخل المجال، لا تقتصر على محلات صغيرة، بل قد تشمل فاعلين كبارا على الصعيد الوطني، حيث يتم تمديد تاريخ الصلاحية لمنتوجات لم يتبق لها سوى شهر أو بضعة أشهر، لتصبح صالحة لسنة أو أكثر.
ويضيف صابر أن بعض هذه المكملات، عند اقتراب انتهاء صلاحيتها، لا يتم إتلافها كما هو معمول به، بل يعاد ترويجها بطرق غير مباشرة، من خلال عرضها بأسعار منخفضة على بعض الرياضيين أو الوسطاء، الذين يعيدون بيعها داخل السوق.
ويرى أن هذه الممارسات، إن صحت، تعكس اختلالات عميقة داخل هذا القطاع، داعيا إلى إحداث لجان مراقبة خاصة، تتولى تتبع هذا السوق من جذوره، ومراقبة مسارات الإنتاج والتوزيع، من أجل ضمان الشفافية وحماية المستهلك.
من الزجر إلى تنظيم السوق
يرى عباد أن استمرار هذه الاختلالات يرتبط بضعف آليات الزجر، معتبرا أن "العقوبات الحالية لا ترقى إلى مستوى ردع هذه الممارسات"، ما يسمح باستمرارها داخل السوق.
ويخلص إلى أن معالجة هذا الوضع تقتضي إرساء نظام مراقبة مستمر، لا يقتصر على منح التراخيص، بل يشمل تتبع المنتوجات بشكل دوري ومفاجئ، إلى جانب تشديد العقوبات في حق المتورطين.
وفي هذا الإطار، تكشف الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية لـ" TELSPORT عربي"، أنه عند ثبوت وجود مكملات غذائية غير مسجلة في السوق أو تباع عبر الإنترنت، تقوم بإخبار رئاسة النيابة العامة بالنازلة، مع إرسال ما يثبت ذلك، قصد فتح تحقيق والقيام بمتابعات قضائية ضد أصحاب هذه المكملات، وإنزال العقوبات اللازمة في حقهم وفقا للقوانين الجاري بها العمل، موازاة مع إصدار بلاغات تحسيسية وتوعوية موجهة للعموم.
بدوره يقترح كحيوش، المعد البدني السابق لنادي الفتح، تشديد المراقبة من طرف الدولة، مع إشراك مختلف المتدخلين في المجال الرياضي في تأطير هذا السوق، مؤكدا أن البداية يجب أن تكون بفرض الترخيص على المحلات التي تبيع المكملات الغذائية، خاصة وأن نسبة كبيرة منها تشتغل خارج أي إطار قانوني.
ولم يفته أن يدعو إلى إلزام البائعين بالحصول على تراخيص خاصة، وتكثيف المراقبة الدورية للتحقق من مصدر هذه المكملات ومكوناتها، وضمان توفرها على التراخيص اللازمة، خصوصا من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، معتبرا أن هذا التوجه كفيل بالحد من انتشار منتجات مجهولة داخل السوق، على غرار ما هو معمول به في دول تعتمد رقابة صارمة.
البرلمان يحذر.. سوق خارج الضبط
لم يعد هذا الوضع محط نقاش مهني فقط، بل امتد إلى المؤسسة التشريعية، إذ وجهت أسئلة برلمانية إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية من طرف نواب من الأغلبية والمعارضة، ويتعلق الأمر بكل من حنان أتركين، وإدريس السنتيسي، وعبد القادر الطاهر، وتمحورت حول تنامي ظاهرة بيع الأدوية والمكملات الغذائية عبر المنصات الرقمية.
ونبه النواب إلى أن الترويج العشوائي لمنتجات مجهولة المصدر، المصحوب بادعاءات علاجية كاذبة ومضللة، أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة، وقوض ثقة المواطنين في المنظومة الصحية.
كما أثارت هذه الأسئلة تحول عدد من الصفحات إلى ما يشبه "صيدليات رقمية" تروج لمنتوجات دون أي ترخيص قانوني أو مراقبة صحية، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر لصحة المواطنين، مع مساءلة الجهات الوصية عن أسباب ضعف المراقبة واستمرار هذه الممارسات رغم عدم قانونيتها، وكذا عدم تفعيل العقوبات الزجرية والإجراءات الكفيلة بالحد من هذه الفوضى الرقمية.
في هذا السياق، يرى أمين بوزوبع، صيدلي وباحث في السياسة الدوائية، في حديثه لـ"TELSPORT عربي" أن الإشكال يتجاوز المظاهر السطحية للسوق، ليطال بنيتها القانونية والتنظيمية.
ويطرح هذا الوضع إشكالا قانونيا معقدا بسبب الموقع الملتبس للمكملات الغذائية بين الغذاء والدواء، خصوصا حين تقترن بادعاءات علاجية أو تأثيرات صحية.
ويرى بوزوبع أن النقاش لا يرتبط فقط بغياب نص خاص بالمكملات الغذائية، بل أيضا بمدى انطباق مقتضيات مدونة الأدوية والصيدلة، ولا سيما القانون رقم 17.04، على بعض المنتجات التي قد تساهم، بحكم تركيبها أو تأثيرها، في وظائف علاجية.
ويضيف أن سوق المكملات الغذائية في المغرب "يعرف انتشارا متزايدا في ظل فراغ قانوني مستمر منذ سنوات"، مضيفا أن وزارة الصحة "تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى"، بالنظر إلى أن المهنيين، وعلى رأسهم الصيادلة، نبهوا مرارا إلى خطورة الوضع، سواء عبر المراسلات أو الاجتماعات، دون أن يتم إخراج إطار قانوني منظم.
ولا يقف هذا الفراغ عند حدود غياب النصوص، بل يمتد، حسب المتحدث ذاته، إلى غياب منظومة متكاملة للتنظيم. فبالرغم من إعداد مشروع قانون منذ حوالي خمس سنوات، "لم يتم إخراجه إلى حيز الوجود"، وظل، بحسب تعبيره، "مجمدا" داخل دواليب الوزارة.
غير أن هذا الرأي يرفضه موزع لدى إحدى الشركات، إذ يرى أن جوهر الإشكال لا يرتبط بنقط البيع أو الجهة التي تسوق هذه المواد، بقدر ما يرتبط بضعف المراقبة وترك المجال مفتوحا أمام التهريب، منتقدا ما اعتبره توجها نحو حصر هذا السوق في الصيدليات.
ويضيف أن هذا الخيار "يخدم مصالح فئة مهنية بعينها أكثر مما يعالج الاختلالات الحقيقية"، لافتا إلى أن "المشكل ليس في المحلات القانونية التي تبيع مكملات معروفة المصدر وتتوفر على الوثائق، بل في من يدخل السلع بطرق غير قانونية ويبيعها خارج أي مراقبة".
في المقابل، طرحت مبادرة تشريعية لتتميم القانون 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، بهدف إدراج المكملات ذات التأثير الدوائي ضمن اختصاص الصيادلة وفرض الاستشارة المهنية، غير أن هذا التوجه يواجه معارضة من بعض المهنيين الذين يرون أن المشكل الحقيقي يكمن في التهريب وضعف المراقبة.
مخاطر صحية وسوق سوداء
هذا التباين في المواقف يعكس تعقيد المشهد، إذ لا يقتصر الإشكال على التشريع فقط، بل يمتد إلى طبيعة السوق نفسها.
فحسب بوزوبع، تعرف هذه السوق انتشارا خارج القنوات المنظمة، من خلال "السوق السوداء"، والتهريب، بل وحتى التصنيع داخل "مختبرات سرية"، قبل إعادة ترويج هذه السلع عبر وسائل متعددة، من بينها المنصات الرقمية.
ويحذر بوزوبع من أن هذا الوضع يشكل خطرا مباشرا على صحة المواطن، داعيا إلى تدخل عاجل من خلال التقنين لإيقاف هذه الفوضى التي لا تقتصر بحسبه على الجانب الصحي، بل تطال الجانب الاقتصادي، حيث يشير إلى أن هذه السوق تدر "رقم معاملات ضخما"، في ظل انتشار التهرب الضريبي وعدم أداء المستحقات الجبائية المرتبطة بجزء مهم من المنتوجات المتداولة خارج القنوات الرسمية.
من جانبه، يرى كحيوش أن الإشكال لا يرتبط فقط بغياب القانون، بل أيضا بضعف التأطير داخل الممارسة الرياضية، إذ يشير إلى أن العديد من الرياضيين يتناولون هذه المكملات "دون تأطير علمي كاف"، في ظل غياب أخصائيين في التغذية الرياضية، ما يدفعهم إلى البحث عنها خارج الإطار الرسمي.
ويضيف أن هذا الواقع قد يقود إلى استهلاك مكملات تحتوي على مواد محظورة دون علم المستخدم، أو إلى تفاعلات خطيرة بين مكوناتها، فضلا عن مخاطر مرتبطة ببعض المنتوجات التي تحتوي على نسب مرتفعة من الكافيين، والتي قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، من بينها الأزمات القلبية.
كما يؤكد أن جزءا كبيرا من هذه المكملات "يتم استيراده بطرق غير قانونية أو عبر منصات إلكترونية دون مراقبة"، ما يزيد من مخاطر استهلاك منتجات مجهولة المصدر.
ولعل أبرز مثال على ذلك تحذير الوكالة المغربية للأدوية والمنتوجات الصحية من مخاطر بعض المكملات المخصصة لإنقاص الوزن، خاصة تلك التي تحتوي على نبتة "غارسينيا كمبوجيا"، إذ دعت إلى ضرورة استشارة أخصائي صحي قبل تناول أي منتج للتخسيس، لا سيما بالنسبة لمن يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية.
وأفادت الوكالة بأن هذه المنتوجات قد تكون مرتبطة بأعراض جانبية خطيرة، تشمل اضطرابات في وظائف الكبد، ومشاكل قلبية وعائية، واضطرابات نفسية، ومشاكل هضمية، كما يمكن لهذه المنتجات أن تتفاعل مع بعض الأدوية، مما يزيد من خطر حدوث آثار جانبية أو يقلل من فعالية العلاج.
وتقر الوكالة بأن عدد حالات الأعراض الجانبية المرتبطة بالمكملات الغذائية المصرح بها يظل محدودا، ولا يعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، مرجعة ذلك أساسا إلى نقص التبليغ، وضعف وعي المستهلكين بأهمية التصريح بالأعراض الجانبية، فضلا عن كون عدد من الحالات لا يتم ربطه فعليا باستهلاك هذه المنتجات، إذ تنسب الأعراض أحيانا إلى الإرهاق أو تغيرات عابرة في النظام الغذائي أو نمط العيش.
في هذا السياق، تعزز المعطيات الميدانية هذه التحذيرات بأرقام مقلقة، إذ كشفت دراسة علمية حديثة بعنوان "مدى احترام قواعد الوسم في المكملات الغذائية: دراسة ميدانية بجهة بني ملال ـ خنيفرة"، نشرت سنة 2026 في مجلة "علوم وتغذية الأغذية" (Food Science & Nutrition)، عن اختلالات لافتة داخل هذا السوق.
أجريت الدراسة بين دجنبر 2024 وماي 2025 على عينة شملت 403 مكملات غذائية تم جمعها من قاعات رياضية و"بارافارماسي" ومتاجر كبرى، حيث أظهرت النتائج أن 81.39 في المائة من هذه المنتوجات غير مطابقة للمعايير.
وسجلت أعلى نسب عدم المطابقة في المكملات القائمة على الكرياتين والأحماض الأمينية بنسبة بلغت 100 في المائة، تليها الفيتامينات المتعددة بنسبة 86.2 في المائة، مقابل 48 في المائة فقط في المكملات النباتية.
كما أبرزت الدراسة أن غياب معلومات أساسية، من قبيل الفئة الغذائية والقيمة الطاقية والتحذيرات الصحية وأرقام التسجيل، يرتبط بشكل مباشر بعدم المطابقة، في حين تبين أن المنتوجات المستوردة أقل التزاما بالمعايير مقارنة بالمنتوجات المصنعة محليا.
وخلصت الدراسة إلى أن هذا المستوى المرتفع من عدم المطابقة يعكس حجم الاختلالات داخل السوق، ويؤكد الحاجة الملحة إلى تعزيز المراقبة التنظيمية وتتبع مسارات هذه المنتوجات.
وفي مقابل هذه المعطيات، يشير بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، في تصريح لـ"TELSPORT عربي"، إلى أن المكملات الغذائية ليست ضرورة في الأصل إذا كانت التغذية متوازنة وسليمة، داعيا إلى توعية المستهلك بضرورة الاعتماد على نظام غذائي صحي.
كما حذر من أن الفضاء الرقمي، الذي أصبح قناة رئيسية لتسويق هذه المنتوجات، "غير مهيكل"، ما يجعله بيئة خصبة لممارسات قد تصل إلى النصب والاحتيال، خاصة في ظل عرض منتجات مجهولة المصدر أو غير مطابقة لما يتم الترويج له.
وفي هذا السياق، أشار إلى توصل جمعيته بشكايات متعددة من مختلف مناطق المغرب، يشتكي فيها المستهلكون من عدم احترام مواصفات المنتوجات، أو من انقطاع التواصل بعد الأداء، بل وحتى من حالات تسليم منتجات لا علاقة لها بالطلب.
أمام هذا الواقع، تواصل سوق المكملات الغذائية نموها بوتيرة متسارعة، بين منتوج يعرض دون ضوابط كافية، ومستهلك يقبل تحت تأثير وعود سريعة، ونصوص قانونية لم تواكب بعد تحولات السوق.
وبين رهانات النمو ومخاطر الانفلات، يظل هذا القطاع مفتوحا على احتمالات متعددة، في انتظار قرارات جريئة تعيد تنظيم سوق مفتوح على مصراعيه.