خلصت ورقة تحليلية منشورة بمركز الجزيرة للدراسات إلى أن "المنافسة الانتخابية التشريعية لسنة 2026 ستأخذ طابعا تفاوضيا بين مكونات الأغلبية، ولكن مع تحول نسبي في موازين القوى قد يفضي إلى تصدر حزب الاستقلال لنتائج الاقتراع، بما قد يتيح له قيادة الحكومة في إطار استمرارية التحالف القائم، مع ترجيح وازن بتوسيع الائتلاف عبر ضم حزب أو حزبين من المعارضة الحالية، وذلك تحت التأثير المهيكل للقاسم الانتخابي وبغية تأمين قاعدة دعم واسعة لمتابعة تنزيل أجندة مغرب 2030".
وأوضحت ورقة "الانتخابات التشريعية المغربية 2026: الرهانات، والمحددات، والمآلات المحتملة"، من إعداد عبد الرفيع زعنون، والمنشورة يوم 21 يونيو 2026 بمركز الجزيرة للدراسات، أنه "رغم رجحان سيناريو التناوب من داخل الاستمرارية، إلا أن تحققه الفعلي يبقى رهينا بجملة من المتغيرات التي ستوجه بوصلة الاقتراع، يتصدرها متغير مستوى المشاركة ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تعبئة الكتل الانتخابية المترددة، والتي تقارب -حسب بعض التقديرات- 40 في المائة من مجموع المسجلين باللوائح الانتخابية، ويتقاطع ذلك مع متغير سيولة السلوك الانتخابي المتأرجح بين التصويت العقابي والعزوف الاحتجاجي، وخاصة في صفوف الفئات المتضررة من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما إذا كانت هذه الأخيرة ستنزع نحو العزوف الانتخابي أم أنها ستترجم حالة التذمر إلى تصويت عقابي مرجح، ونشير إلى متغير الترحال السياسي للأعيان بين الأحزاب السياسية في ظل تنامي دورهم بوصفهم فاعلين مؤثرين في حسم التنافس داخل العديد من الدوائر الانتخابية".
وقبل الوصول إلى هذه الخلاصة، استعرضت الورقة ثلاثة سيناريوهات كبرى يمكن تصورها حول تركيبة الحكومة المقبلة، "التصويت العقابي" وعودة حزب العدالة والتنمية، وسيناريو "الوضع القائم" بقيادة التجمع الوطني للأحرار، والسيناريو الراجح "التناوب من داخل الاستمرارية".
سيناريو "التصويت العقابي"
وفي تحليلها لسيناريو "التصويت العقابي" وعودة حزب العدالة والتنمية، أوردت أن "هذا السيناريو يفترض حدوث هزة انتخابية تجعل حزب العدالة والتنمية يتصدر نتائج الاقتراع بعد الانتكاسة التي مني بها في تشريعيات 2021، ويتغذى هذا الطرح من إمكانية استثمار الحزب للتصويت العقابي الذي قد يتغذى من تنامي الاستياء الشعبي من السياسات الحكومية الحالية، ولا سيما إزاء موجات الغلاء وشبهات تضارب المصالح".
وذكرت أن "هذا المسار التوقعي يرتكز على قدرة الحزب على تحويل هذا الاستياء إلى رأسمال انتخابي فاعل، عبر استمالة الفئات المتذمرة واستنهاض الكتلة الصامتة ودفعها للتصويت لصالحه، ويعتمد الحزب في هذا المسعى على تحسن أوضاعه التنظيمية الداخلية، وتغيير خطابه السياسي ليركز أكثر على تقديم حلول عملية للأزمات الاجتماعية، حيث أطلق مبادرة غير مسبوقة في المشهد السياسي بالمغرب بتخصيص منصة رقمية مخصصة لاستقبال مقترحات المواطنين، بهدف إشراكهم في بلورة مضامين برنامجه الانتخابي الخاص باستحقاقات 2026".
غير أنها شددت على أن "هذا التوجه تعترضه عوامل سياسية واجتماعية تحد من فرص تحققه، فمن جهة، يواجه الحزب نفور قطاعات مجتمعية واسعة متضررة من ارتدادات سياساته إبان قيادته للحكومة، لا سيما تحرير أسعار المواد الطاقية ورفع سن التقاعد، ومن جهة أخرى، يعاني الحزب من تراجع دعم قاعدته المحافظة، التي شعرت بخيبة أمل كبيرة بسبب قرارات تناقض اختياراته الأيديولوجية والسياسية خلال فترة ممارسته الحكومية السابقة، حيث ارتبط اسمه بعدد من السياسات العمومية التي تم اعتمادها خلال تلك المرحلة، مثل توسيع تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية وترسيم التطبيع مع إسرائيل وسن الإطار القانوني المنظم لزراعة القنب الهندي، ويضاف إلى ذلك تحديات موضوعية ترتبط بتراجع التصويت السياسي لصالح التصويت النفعي، وضعف جاذبية الحزب في أوساط الأعيان المؤثرين والشبكات التقليدية، فضلا عن محدودية نفوذه التنظيمي والانتخابي بالمجال القروي الذي يشكل وزنا تمثيليا مؤثرا في نتائج الانتخابات".
سيناريو "الوضع القائم"
وأشار صاحب الورقة إلى أن سيناريو "الوضع القائم" بقيادة التجمع الوطني للأحرار يظل احتمالا قائما، مدعوما بحضوره التنظيمي الواسع وقدرته على استقطاب الأعيان والفاعلين المحليين، فضلا عن تسويق نفسه بوصفه الفاعل السياسي الأقدر على ضمان استمرارية الإصلاحات التي أطلقت خلال الولاية الحالية.
وأورد أن "فرصه تظل مرتبطة بعدة تحديات، فالحزب يواجه اتساع رقعة الانتقادات المرتبطة بحصيلته التدبيرية في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ويتغذى جزء من الاستياء الشعبي من استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والذي يربط في النقاش العمومي بإشراف زعيم الحزب على السياسات الفلاحية طيلة 14 سنة، ويضاف إلى ذلك الجدل المرتبط بشبهات تضارب المصالح التي استهدفت بعض قياداته ووزرائه في قطاعات استراتيجية كتحلية مياه البحر واستيراد الأدوية وتوزيع المحروقات، فضلا عن الانتقادات الموجهة لأدائه التواصلي سواء في الوضع العادي أو في لحظات الأزمة، كما هي الحال مع احتجاجات جيل زد في 2025 وتداعيات زلزال الحوز في 2023".
ولفت إلى أنه "صحيح أن استقالة عزيز أخنوش من منصب الزعامة قد تعزز حظوظ الحزب في استمرار قيادته للحكومة، بما يعني التخلص من كلفة الحضور المباشر مع الاستفادة من سطوته الاقتصادية والإعلامية، لكن في المقابل تثار عدة تساؤلات بشأن استمرار تأثيره السياسي فاعلا غير مرئي قد يتحكم في هندسة التحالفات وتوجيه السياسات الحكومية من خارج الواجهة المؤسساتية".
وشدد على أن "هذا السيناريو المحتمل يتوقف على توسيع نطاق الأغلبية عبر البحث عن شركاء جدد بغية تقاسم الكلفة السياسية لتدبير المرحلة المقبلة، وتعزيزا لوزنه التفاوضي في مواجهة شريكيه الحاليين (حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة)، وفي هذا السياق، تبرز إمكانية ضم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي تبنى خلال المرحلة الحالية معارضة مهادنة فتحت الباب مواربا للتموقع شريكا محتملا للتجمع الوطني للأحرار، وتجلى ذلك خاصة في الانسحاب من مبادرة ملتمس الرقابة لإسقاط حكومة عزيز أخنوش، مبررا ذلك بضعف الجدوى السياسية والعددية للمبادرة".
سيناريو "الأكثر ترجيحا"
وبحسب الورقة، فإن السيناريو الراجح في الانتخابات المقبلة هو "التناوب من داخل الاستمرارية"، مع استمرار التحالف الحكومي الحالي بأحزابه الثلاثة، لكن مع تحول نسبي في موازين القوى الانتخابية قد يفضي إلى تغيير الحزب القائد للحكومة.
وأبرزت أن "حزب الأصالة والمعاصرة يطرح نفسه بديلا من داخل الائتلاف الحالي لقيادة الحكومة، مستفيدا من قدرته المستمرة على استقطاب الأعيان الكبار، ومن ديناميته التواصلية للدفاع عن حصيلة القطاعات الحكومية التي يديرها كالتشغيل والثقافة والشباب، مستفيدا في الوقت ذاته من تراجع حدة النقاشات حول المتابعات القضائية التي استهدفت بعض قيادييه، والتي ألحقت ضررا بالغا بصورة الحزب، غير أن نزوع الحزب نحو الصدارة تكبحه أزمته التنظيمية في ظل توترات القيادة الثلاثية".
ونبهت إلى أن حظوظه لتصدر نتائج الانتخابات تتوقف على قدرته على تقديم شخصية تحظى بالإجماع بين مختلف مكونات الحزب، وتتمتع بالشعبية اللازمة لقيادة الحزب نحو الصدارة، وضمن هذا التوقع، يبرز اسم فوزي لقجع -المقرب من الحزب- نموذجا للنخبة ذات الخلفية التقنية والسياسية الصاعدة، بالنظر لارتباطه المباشر، كوزير مكلف بالميزانية، بعدد من الإصلاحات الاستراتيجية على غرار تعزيز الاستدامة المالية لمشروع تعميم الحماية الاجتماعية، إلى جانب رئاسته للجامعة الملكية لكرة القدم ولمؤسسة المغرب 2030 المشرفة على المشاريع المتعلقة بالاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 (22)، فضلا عن الرغبة في الاستفادة السياسية من الرصيد الرمزي الذي راكمه بفضل النجاحات المتتالية لكرة القدم المغربية".
وعن مسار حزب الاستقلال، أوضحت أن "خيار قيادة حزب الاستقلال للحكومة القادمة هو الأكثر ترجيحا، مع الاحتفاظ بحزبي الأحرار والأصالة والمعاصرة حليفين أساسيين، والانفتاح المحتمل على أحزاب أخرى كالاتحاد الاشتراكي أو الحركة الشعبية لتعزيز الأغلبية وتجاوز تحديات القاسم الانتخابي".
وحسب الورقة، تستند حظوظ الحزب إلى حضوره اللافت بالدوائر الانتخابية ذات العمق القروي، فضلا عن امتداده السياسي الراسخ في الأقاليم الجنوبية، وهو ما يتقاطع مع رهانات تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وضمن هذا السياق، ترى قيادة الحزب أن أجندة الحكومة القادمة تتجاوز تنظيم مونديال 2030 إلى توفير الشروط الإدارية والسياسية لنموذج الحكم الذاتي وتدعيم السيادة الاقتصادية وتقليص التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وأوردت أن "الخرجات الإعلامية المبكرة لقيادات الحزب لمحاورة شباب جيل زد جعلته يطرح نفسه فاعلا سياسيا قادرا على احتواء الديناميات الاحتجاجية والتفاعل مع مطالب الفئات الشابة، وفي المقابل، يواجه الحزب تحدي غياب رواية سياسية متماسكة للناخبين، فإذا كان تدبيره لقطاعات وزارية ذات طابع تقني قد يجنب الحزب التبعات السياسية المباشرة للإصلاحات غير الشعبية التي أثارت استياء اجتماعيا، فإن هذا التموضع التكنوقراطي قد يفقد الحزب القدرة على بلورة هوية إنجاز ملموسة، وقد يضعه أمام مأزق تسويق مشروعية مقنعة للكتلة الناخبة تبرر جدارته السياسية والتدبيرية لقيادة المرحلة القادمة".
واعتمدت الورقة التحليلية ضمن مراجعها على مقال لمدير النشر أحمد مدياني، نشره موقع "تيلكيل عربي" بتاريخ 9 فبراير 2026، بعنوان: "من حكومة المونديال إلى حكومة الحكم الذاتي".