فتح مجلس المنافسة واحدا من أكثر الملفات حساسية في مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بعدما دعا إلى إعادة تقييم مختلف القيود المفروضة على الولوج إلى المهنة وممارستها، معتبرا أن عددا منها ينبغي أن يخضع لمراجعة دقيقة وفق معايير المنافسة والضرورة والتناسب، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المهنة وحرية الولوج إليها.
وكشف مجلس المنافسة أن تقييمه لمشروع القانون رقم 66.23 لم يقتصر على المبادئ العامة، بل انصب على مجموعة من القيود التشريعية التي يرى أنها قد تؤثر على المنافسة داخل سوق الخدمات القانونية، حيث حددها بشكل دقيق في سبعة محاور رئيسية تستوجب إعادة التقييم وفق معيار التناسب.
وبحسب الرأي، فإن أول هذه القيود يتعلق بسقف السن الأقصى للترشح (45 سنة)، والذي اعتبره المجلس من بين المقتضيات التي ينبغي إخضاعها لتقييم موضوعي لقياس مدى ضرورته وأثره الحقيقي على الولوج إلى المهنة، خاصة في ضوء المقارنات الدولية التي أنجزها مع عدد من الدول.
أما القيد الثاني، فيهم رفع الحد الأدنى للمؤهل العلمي إلى شهادة الماستر أو ما يعادلها، بعدما كان القانون الجاري به العمل يكتفي بالإجازة في الحقوق مع النجاح في امتحان الأهلية. ويرى المجلس أن هذا الشرط الجديد يستوجب، بدوره، تقييما لقياس مدى تناسبه مع الهدف المعلن منه، ومدى تأثيره على توسيع أو تضييق قاعدة الولوج إلى المهنة.
ويتعلق القيد الثالث بالمسالك البينمهنية، إذ دعا المجلس إلى إعادة تقييم القيود المفروضة على ولوج بعض الفئات المهنية إلى المحاماة، مع بحث مدى انسجامها مع مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة بعد المقارنة مع التجارب الأجنبية التي تتيح مسارات أكثر انفتاحا.
كما سجل المجلس أن مشروع القانون يتضمن توسيعا للاختصاصات الحصرية للمحامي، سواء في مجال تحرير بعض العقود أو التمثيل أو ممارسة بعض الأنشطة القانونية، معتبرا أن كل اختصاص حصري ينبغي أن يخضع، بدوره، لاختبار يحدد مدى ضرورته، وما إذا كان يحقق المصلحة العامة دون الحد من المنافسة داخل سوق الخدمات القانونية.
ومن بين القيود التي توقف عندها أيضا، الضوابط المنظمة لأتعاب المحامين، والقيود المرتبطة بوسائل الإشهار والتواصل، وآليات توزيع ملفات المساعدة القضائية، معتبرا أن هذه المقتضيات تؤثر بشكل مباشر في المنافسة بين المهنيين وفي شفافية السوق، وهو ما يستوجب إعادة النظر فيها وفق مقاربة اقتصادية وقانونية متوازنة.
وفي رأي موسع يمتد على أكثر من مائة صفحة، خصصه لدراسة وضعية المنافسة في شروط الولوج إلى مهنة المحاماة وممارستها، أوصى المجلس بإخضاع القيود التي يتضمنها المشروع لاختبار التناسب، وهو معيار معتمد دوليا لتقييم مدى مشروعية القيود المفروضة على المهن المنظمة، وذلك للتحقق من كونها ضرورية فعلا لتحقيق المصلحة العامة، ولا تتجاوز الحد اللازم لتحقيقها.
ولا يدعو مجلس المنافسة إلى حذف هذه الشروط بشكل تلقائي، وإنما إلى إعادة فحصها وفق أسئلة دقيقة، من بينها: هل تحقق هذه القيود هدفا مشروعا؟ وهل توجد علاقة مباشرة بينها وبين الهدف المعلن؟ وهل يمكن بلوغ النتيجة نفسها بقيود أقل تأثيرا على المنافسة وحرية الولوج إلى المهنة؟ وما أثرها على العرض وجودة الخدمات القانونية والأسعار التي يتحملها المتقاضون؟
ويرى المجلس أن إصلاح شروط الولوج إلى المحاماة لا ينبغي أن يقتصر على تحديث النصوص القانونية، بل يجب أن يراعي أيضا انعكاسات تلك الشروط على بنية سوق الخدمات القانونية، ومدى قدرتها على استقطاب الكفاءات، وضمان تجدد المهنة، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، بما ينعكس، في النهاية، على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات.
وفي هذا السياق، توقف الرأي عند عدد من القيود التي اعتبرها ذات أثر مباشر على المنافسة، من بينها سقف السن، واعتماد شهادة الماستر حدا أدنى للمؤهلات الأكاديمية، وشروط الولوج عبر المسالك البينمهنية، إضافة إلى تحديد بعض الاختصاصات المهنية على سبيل الحصر، معتبرا أن هذه المقتضيات تستوجب تقييما موضوعيا في ضوء آثارها الاقتصادية والقانونية.
كما أكد المجلس أن إصلاح المهنة ينبغي أن يواكب التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى خدمات قانونية أكثر تخصصا وتنافسية، داعيا إلى تطوير الإطار التنظيمي بما يحقق الانفتاح التدريجي لسوق الخدمات القانونية، دون المساس باستقلالية المحاماة ورسالتها في حماية الحقوق والحريات.
ولم يقف المجلس عند شروط الولوج فقط، بل اعتبر أن تحديث مهنة المحاماة يقتضي أيضا مراجعة تنظيمها الاقتصادي، وتعزيز الشفافية داخل سوق الخدمات القانونية، وتحديث حكامة الهيئات المهنية، والارتقاء بالتكوين الأساسي والمستمر، فضلا عن تسريع التحول الرقمي وإدماج الابتكار في طرق تقديم الخدمات القانونية.
واستند مجلس المنافسة في صياغة رأيه إلى مقارنة مشروع القانون المغربي بتجارب دولية في تنظيم مهنة المحاماة، شملت فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة وسنغافورة وتونس، فضلا عن مقارنة مع عدد من المهن الحرة المنظمة بالمغرب، بهدف الوقوف على مدى تناسب القيود المقترحة مع المعايير الدولية والممارسات الفضلى.
ويرى المجلس أن بناء سوق قانونية أكثر تنافسية لا يتعارض مع الحفاظ على استقلالية المحاماة، بل يقتضي مراجعة كل قيد تنظيمي على أساس مدى ضرورته وفعاليته، بما يضمن حماية المصلحة العامة من جهة، ويفتح المجال أمام تجديد المهنة واستقطاب الكفاءات وتحسين جودة الخدمات القانونية من جهة أخرى.