بوعياش: تنامي توظيف الدين في الصراعات السياسية يهدد منظومة الحقوق والحريات

محمد فرنان

قالت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن "حرية الدين أو المعتقد لم تعد مجرد حق من الحقوق الأساسية، بل غدت معيارا حقيقيا لقياس مدى الالتزام بعالمية حقوق الإنسان ومصداقيتها".

وأضافت، في كلمتها خلال افتتاح القمة العالمية للحرية الدينية، المنعقدة بالدار البيضاء، اليوم الثلاثاء، أن "هذه الحرية لا يمكن أن تفهم بمعزل عن باقي الحقوق والحريات، فهي ترتبط ارتباطا عضويا بحرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، والمساواة أمام القانون، ومبدأ عدم التمييز،  ومن ثم، فإن حمايتها تعني، في جوهرها، صون التوازن الذي تقوم عليه المنظومة الكاملة للحقوق الأساسية".

الدين جسر للسلام

وأوضحت أنه "قلما نجد موضوعا يثير، بهذا القدر من العمق، التساؤلات المرتبطة بالعلاقة بين القانون وحرية الدين أو المعتقد وحرية الفكر، وبالمكانة التي يحتلها الدين داخل مجتمعات باتت أكثر تنوعا وتعددا من أي وقت مضى".

وأشارت إلى أن "هذه الحوارات أفضت إلى قناعة راسخة مفادها أن هذه القضايا لا تقبل الأحكام المطلقة، ولا تختزلها إجابات نهائية، بل تقتضي تفكيرا متجددا يواكب التحولات العميقة التي يعرفها عالمنا، فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كان للدين مكان داخل المجتمع، فهذه حقيقة لا خلاف بشأنها، وإنما يكمن التحدي الحقيقي في كيفية جعل التعدد الديني وتنوع المعتقدات والقناعات ركيزة للسلم الاجتماعي، لا سببا للانقسام، وجسرا للسلام، لا أداة للصراع".

وذكرت أن "من هذا المنطلق، أصبحت هذه الإشكالية إحدى القضايا المركزية في تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأدت إلى تقارب متزايد بين الحركة الدولية لحقوق الإنسان والفاعلين الدينيين حول مبدأ جامع، قوامه أن الكرامة الإنسانية هي المرجعية الكونية التي تسمو على جميع الانتماءات، وتحمي التعددية، وتجرم كل أشكال التمييز، غير أن هذا الأساس المشترك يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة".

"تنامي توظيف الدين في الصراعات السياسية"

ولفتت إلى أن "عودة النزعات الهوياتية المنغلقة، وتصاعد التطرف العنيف، واتساع نطاق خطاب الكراهية، والانتشار المتسارع للتضليل الإعلامي، وتنامي توظيف الدين في الصراعات السياسية، كلها مظاهر تهدد، بصورة متزايدة، الأسس التي تقوم عليها منظومة الحقوق والحريات".

وأبرزت أن "التكنولوجيا الحديثة لم تعد تقتصر على تغيير وسائل التواصل، بل أصبحت تعيد تشكيل أنماط إنتاج المعرفة وتداولها، بما في ذلك الخطابات الدينية، كما أسهمت الخوارزميات والمنصات الرقمية في خلق فضاءات معلوماتية مغلقة تعزز الاستقطاب، وتضعف فرص الحوار، وتكرس الانقسامات المجتمعية".

وأوردت أن "أمام هذه التحولات، لا يمكن أن تظل استجابتنا محصورة في المقاربة القانونية وحدها، بل ينبغي أن تعتمد رؤية شاملة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين التشريع، والتربية، والثقافة، والسياسات العمومية، والتعاون الدولي".

وأفادت بأن "العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان ليست علاقة تناقض حتمي، كما أنها ليست علاقة انسجام تلقائي، بل هي ثمرة خيار سياسي، ومسؤولية مؤسساتية، والتزام جماعي ببناء دولة القانون وصون الحقوق والحريات، وقد برهنت تجارب عديدة على إمكانية التوفيق بين التعددية الدينية، وحرية المعتقد، والتماسك المجتمعي".

ترسيخ الفهم المستنير للدين

وأشارت إلى أن "المغرب يقدم نموذجا في هذا المسار، من خلال بناء متواصل لحكامة دينية ترتكز على ترسيخ الفهم المستنير للدين، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال، والتسامح، والتعايش، بما يجعل من الدين رافعة للاستقرار والعيش المشترك، لا مجالا للتوظيف أو الاستقطاب".

وشددت على أن "التحدي الحقيقي في عصرنا لم يعد يتمثل في البحث عن سبل التوفيق بين الدين وحقوق الإنسان، بل في ضمان ألا يتم توظيفهما أو استغلالهما للمس بالكرامة الإنسانية أو لتقويض الحقوق والحريات، وتلك هي، في تقديري، المسؤولية المشتركة التي تقع على عاتق الفاعلين، بمن فيهم الدينيون والمدنيون على حد سواء، وهي أن نجعل من تنوع المعتقدات مصدر إثراء لمجتمعاتنا، لا ذريعة للانقسام أو الإقصاء".

وأبرزت أن "حين تحمى حقوق الإنسان حماية فعلية، يصان الدين بدوره من كل أشكال التوظيف السياسي أو الاستغلال الإيديولوجي، وتترسخ بذلك أسس مجتمع يقوم على الكرامة والحرية والعدالة والسلم".