بركة يحرج المنصوري بملف العالم القروي: حان الوقت لإنهاء "الحكرة المجالية" والمنطق العقابي

محمد فرنان

في تصريحات قد تثير حفيظة فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وجه نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، انتقادات حادة لمنظومة التعمير والبناء في العالم القروي، داعيا إلى مراجعة شاملة للقوانين المؤطرة للقطاع، ومتهما المقاربة الحالية بتكريس التعقيد والفوارق المجالية، بدل جعل التعمير أداة للتنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.

وجاءت تصريحات بركة خلال الندوة الوطنية التي نظمتها رابطة المهندسين المعماريين الاستقلاليين، أمس الأربعاء، حول موضوع "نحو مقاربة جديدة للتعمير والبناء بالوسط القروي، في خدمة المواطن والعدالة المجالية"، حيث اعتبر أن الوقت قد حان لإنهاء ما وصفه ب"الحكرة المجالية"، والتعامل مع العالم القروي باعتباره فضاء للتنمية والاستقرار، وليس مجرد خزان انتخابي أو مجال للإنتاج الفلاحي.

وانتقد بركة ما سماها "عقلية التشكيك" التي تؤطر قوانين التعمير، معتبرا أنها تنطلق من فرضية أن المواطنين يسعون إلى التحايل على القانون، وهو ما ينعكس، بحسبه، في تعقيد المساطر الإدارية وتعدد الإجراءات، الأمر الذي يدفع العديد من المواطنين إلى مخالفة القانون بسبب صعوبة الولوج إلى التراخيص.

وأكد أن جوهر الأزمة يكمن في ما وصفه بـ"المنطق العقابي" الذي تأسست عليه الترسانة القانونية الحالية، قائلا إن قوانين التعمير في المغرب "تنطلق من مبدأ خاطئ، وهو أن المغاربة كلهم غشاشون".

واعتبر أن هذا التصور أفرز منظومة من المساطر المعقدة والغامضة تضع المواطن في موقع المشتبه فيه سلفا، مضيفا أن هذا التعقيد لا يحمي المجال العمراني بقدر ما يوسع دائرة الغموض ويفتح الباب أمام التجاوزات، داعيا إلى بناء علاقة قائمة على الثقة بين الإدارة والمواطن، وإرساء نظام أكثر مرونة ووضوحا.

وقال إن منطق إعداد القوانين على أساس أن "المغاربة غشاشون" يجب أن ينتهي، داعيا إلى تبسيط المساطر الإدارية وتمكين المواطنين من حقهم في السكن والبناء وفق قواعد واضحة وشفافة، بدل تكريس الغموض الذي يفتح الباب أمام التأويلات والتجاوزات.

وانتقد الأمين العام لحزب الاستقلال استمرار الفوارق المجالية، معتبرا أن المغرب ما يزال يعيش "بسرعتين"، حيث تستفيد المدن من الاستثمارات والخدمات، بينما تظل العديد من القرى تعاني ضعف البنيات الأساسية، من طرق وماء وخدمات رقمية، وهو ما يغذي، حسب قوله، الهجرة القروية التي وصفها ب"الاضطرارية".

وفي السياق ذاته، دعا بركة إلى مراجعة الفلسفة التي تقوم عليها وثائق التعمير، معتبرا أن التعمير في العالم القروي لا ينبغي أن يبدأ من الرخص والمساطر الإدارية، بل من تصور شامل لمستقبل المجال.

وشدد على ضرورة الانتقال من "تعمير ينظم البناء" إلى "تعمير ينظم الحياة"، بما يربط السكن بالبنيات الأساسية والخدمات العمومية وفرص الشغل، مؤكدا أن توفير منزل في دوار معزول يفتقر إلى الطرق والمدارس والماء وفرص العمل لا يحقق الاستقرار، بل يحول المسكن إلى فضاء معزول عن شروط العيش الكريم.

وفي سياق متصل، وجه بركة انتقادات لما اعتبرها ممارسات "سياسوية" في برمجة مشاريع فك العزلة، قائلا إن بعض المنتخبين يوجهون مشاريع الطرق نحو دواوير محسوبة عليهم انتخابيا، بينما يتم إقصاء دواوير أخرى بسبب خيارات سكانها السياسية، معتبرا أن هذا السلوك يتنافى مع مبادئ العدالة المجالية ويهدر المال العام.

وأضاف أن تحويل مشاريع البنيات التحتية إلى أدوات للاستقطاب الانتخابي يضرب مبدأ المساواة بين المواطنين، مؤكدا أن العدالة المجالية لا يمكن أن تتحقق في ظل برمجة انتقائية للمسالك والطرق وفق الانتماءات الحزبية، ومشددا على أن الاستثمار العمومي يجب أن يخضع لحاجيات الساكنة وأولويات التنمية، وليس للحسابات السياسية الضيقة.

وفي معرض حديثه عن مستقبل العالم القروي، دعا بركة إلى بلورة ميثاق وطني جديد للتعمير القروي، يقوم على قاعدة "لا بناء دون تخطيط، ولا تخطيط دون تنمية"، بما يضمن إنهاء واقع "المغرب الذي يسير بسرعتين"، وتحويل القرى إلى فضاءات جاذبة للاستقرار والاستثمار، بدل أن تبقى مناطق طاردة للسكان.

ودعا إلى تنويع المحركات الاقتصادية للعالم القروي، معتبرا أن وثائق التعمير ينبغي أن تفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة، من قبيل المقاولات الصغرى جدا، والسياحة القروية، والاقتصاد الرقمي، إلى جانب إحداث فضاءات للخدمات العمومية الرقمية، بما يمكن ساكنة القرى من الولوج إلى الخدمات الإدارية والاقتصادية دون الحاجة إلى التنقل نحو المدن.

وطالب بإطلاق "ثورة قانونية" في مجال التعمير بالعالم القروي، من خلال مراجعة شاملة للمنظومة القانونية والتنظيمية، بما يجعل التخطيط العمراني رافعة للتنمية الترابية والعدالة المجالية، ويضمن تحسين ظروف عيش المواطنين في مختلف المناطق القروية.