حوار.. سارة مول البلاد لـ"تيلكيل عربي": مهرجان كناوة مشروع ثقافي قبل أن يكون وجهة سياحية

خديجة قدوري

في زمن تتقاطع فيه الإيقاعات المحلية مع التأثيرات الموسيقية العالمية، وتفرض فيه العولمة أشكالا جديدة من التعبير الفني، يظل سؤال الهوية حاضرا بقوة داخل المشهد الموسيقي المغربي. وبين الرغبة في التجديد والانفتاح على التجارب العالمية، والحرص على صون الخصوصية الثقافية، يواصل عدد من الفنانين البحث عن معادلة توازن تجمع بين الأصالة والابتكار، في وقت أصبحت فيه الموسيقى لغة عابرة للحدود ومنصة للحوار بين الثقافات.

وفي هذا الصدد، حاور "تيلكيل عربي" سارة مول البلاد، المؤلفة والملحنة المغربية، التي تحدثت عن كيفية حفاظها على هويتها الفنية في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الموسيقي، ورؤيتها لموسيقى كناوة وقدرتها على إثراء التجارب الموسيقية الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها، كما تطرقت إلى الرسائل التي تسعى إلى إيصالها من خلال أعمالها، وإلى دور مهرجان كناوة في التعريف بالثقافة المغربية، فضلا عن قراءتها لمكانة المرأة داخل الصناعة الموسيقية والتحديات التي لا تزال تواجهها.

في زمن تؤثر فيه العولمة بشكل كبير على الإبداعات الموسيقية، كيف تنجحين في الحفاظ على هويتك الفنية دون أن تفقدي أصالة جذورك؟

أعتقد أن أكثر ما يساعدني على الحفاظ على أصالتي هو اللغة فأنا أكتب باللهجة المغربية، وأحرص، حتى وإن لم يكن ذلك توجهي الأول، على إدماج عناصر من السلم الموسيقي المغربي في أعمالي. أحاول أن أبتكر موسيقى تشبهني، وتقدم في الوقت نفسه شيئا جديدا، يحمل روح الصوت المغربي، مع الحفاظ على صدقي الفني واحترام ما ينتظره الجمهور المغربي.

هل تثري هذه المزجات الهويات الموسيقية أم أنها قد تؤدي أحيانا إلى تمييعها؟

في حالة موسيقى كناوة تحديدا، أرى أن العكس هو الصحيح؛ فهي التي تثري الأنماط الموسيقية الأخرى. فموسيقى كناوة قوية، متماسكة، ولها بنية وإيقاعات خاصة جدا. وعندما تمتزج، على سبيل المثال، مع موسيقى الجاز، أشعر بأن كناوة هي التي تمنح هذا اللون الموسيقي بعدا جديدا، بفضل إيقاعاتها ومساحاتها الواسعة التي تتيح للآلات الموسيقية مجالا أكبر للارتجال. لذلك لا أعتقد أن هذا الانفتاح يضعف هوية كناوة، بل يزيدها إشعاعا.

هل تحمل موسيقاك رسالة معينة؟ وما الأثر الذي تتمنين أن تتركيه لدى الأجيال الشابة من خلال فنك؟

لا أستطيع القول إن لدي رسالة محددة، لكنني أسعى دائما إلى أن أظل وفية للموسيقى التي أحبها. ورغم أنني مغربية بالكامل، فإن تكويني الموسيقي لم يكن مغربيا بشكل خالص، وهذا لا يعني أنني لا أرغب في أن أكون جزءا من المشهد الموسيقي المغربي أو أن أساهم في تطويره. لا أضع موسيقاي ضمن تصنيف معين، لكنني أتمنى أن تصل إلى الشباب باعتبارها مساحة للحرية والتعبير، لأن الموسيقى هي انعكاس لكل ما نستمع إليه وما نعيشه، ومن المهم أن يتقبل الناس هذا التنوع.

أصبحت العديد من المهرجانات اليوم واجهات سياحية بقدر ما هي مواعيد ثقافية. برأيك، ما الذي يميز مهرجان كناوة عن باقي المهرجانات الدولية؟

لا أحب أن ينظر إلى ثقافتنا فقط كوسيلة لاستقطاب السياح. بالنسبة إلي، يظل مهرجان كناوة مشروعا ثقافيا قبل أي شيء آخر. وإذا كان يستقطب عددا كبيرا من الزوار الأجانب، فهذا أمر إيجابي للمغرب، لأنه لا يعرف العالم على موسيقانا فحسب، بل ينقل أيضا صورة عن ثقافتنا وهويتنا، كما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني.

لست ضد هذا الانفتاح، لكنني أتمنى في المقابل أن يتم توجيه المزيد من الجهود نحو الجمهور المغربي أيضًا. وأعتقد أن مهرجان كناوة ينجح إلى حد كبير في تحقيق هذا التوازن، بينما تبدو بعض المهرجانات الأخرى وكأنها تستهدف السياح أكثر من اهتمامها بالبعد الثقافي.

بصفتك فنانة، كيف تنظرين إلى مكانة المرأة في الصناعة الموسيقية اليوم؟ وهل ما تزال النساء يواجهن عقبات داخل هذا المجال؟

أعتقد أن المغرب يمنح اليوم مساحة مهمة للنساء الفنانات، وأرى أن حضورهن أصبح واضحا داخل الساحة الموسيقية. وانطلاقا من تجربتي الشخصية، لم أشعر بوجود عراقيل كبيرة بالنسبة للمغنيات، بل إن عددهن أصبح يفوق عدد المغنين في كثير من الأحيان. لكن الأمر يختلف بالنسبة للموسيقيات، مثل عازفات الغيتار أو البيانو أو آلة الباص، إذ أعتقد أن اندماج المرأة في هذه الأدوار لا يزال أكثر صعوبة. أما المغنية، فطبيعة الأداء على المسرح تجعل حضورها أكثر قبولا، وإن كان ذلك يرتبط أحيانا، وللأسف، باعتبارات شكلية وصورة الفنان أمام الجمهور. لذلك أرى أن التحدي الحقيقي يكمن في منح النساء الموسيقيات فرصا أكبر، والتحلي بمزيد من الانفتاح تجاه أدوارهن داخل الفرق الموسيقية وخلف خشبة المسرح.