بعد أكثر من خمس سنوات من الانتظار، لا يزال ملف المستحقات المالية الخاصة بأساتذة الصحافة والإعلام بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة يراوح مكانه بين أروقة الإدارة وقاعات القضاء، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل الوسط الجامعي خلال السنوات الأخيرة.
فبينما أنهى الأساتذة مهامهم في التدريس والتأطير البيداغوجي، واستكمل الطلبة مسارهم التكويني وتسلموا شهاداتهم الجامعية، ظلت التعويضات المالية المرتبطة بهذه المهام معلقة دون تسوية نهائية، الأمر الذي دفع بالملف إلى القضاء الإداري أملاً في حسم نزاع امتد لسنوات.
وشهدت المحكمة الإدارية بالرباط، يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، جلسة جديدة بحضور الخبير المحاسباتي المنتدب من طرف المحكمة وممثل عن الجامعة والكلية، إلى جانب المنسق البيداغوجي للتكوينين المعنيين بصفته مدعياً. وقد جاءت هذه الجلسة في سياق مسار قضائي طويل بلغ إلى حدود اليوم تسع عشرة جلسة خلال سنة واحدة، دون التوصل إلى حكم نهائي يفصل في جوهر النزاع.
ويعكس هذا العدد الكبير من الجلسات حجم التعقيد الذي يطبع الملف، سواء من الناحية القانونية أو الإدارية أو المالية، خاصة بعد لجوء المحكمة إلى إجراء خبرة محاسباتية دقيقة للوقوف على مختلف المعطيات المرتبطة بالاعتمادات المالية والوثائق التبريرية والمساطر المعتمدة في تدبير التكوينين موضوع النزاع.
وخلال جلسة البحث الأخيرة، استعرض الخبير المحاسباتي خلاصات تقريره المستند إلى فحص الوثائق الإدارية والمالية المرتبطة بتدبير تكويني الإجازة والماستر في الصحافة والإعلام. وتركز النقاش حول مدى استيفاء التعويضات المطلوبة للشروط القانونية والإدارية اللازمة لصرفها، وحول المسؤوليات المرتبطة بتأخر تسويتها رغم مرور سنوات على استحقاقها.
وتتمسك الإدارة، وفق ما تم عرضه خلال الجلسات، بضرورة احترام الضوابط والمساطر القانونية المنظمة لتنفيذ النفقات العمومية، في حين يؤكد الطرف المدعي أن مختلف المهام الأكاديمية والبيداغوجية قد أُنجزت فعلياً، وأن الطلبة استفادوا من التكوين كاملاً وتوجوا بالحصول على الشهادات الجامعية، معتبراً أن استمرار تجميد المستحقات يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب التأخير ومبرراته.
ومن أبرز النقاط التي أثارت النقاش خلال جلسة البحث الأخيرة، ملتمس استدعاء عميد كلية اللغات والآداب والفنون بصفته الممثل القانوني للمؤسسة والآمر بالصرف، وذلك بهدف توضيح عدد من الجوانب المرتبطة بقرارات الأداء المالي. وقد فتح هذا الطلب نقاشاً قانونياً حول حدود التفويض الإداري واختصاصات مختلف المتدخلين في تدبير النفقات العمومية داخل المؤسسات الجامعية.
ويرى متابعون للشأن الجامعي أن القضية تجاوزت منذ مدة بعدها المالي المباشر، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمدى نجاعة الحكامة الإدارية والمالية داخل الجامعة. فالنزاع يطرح أسئلة تتعلق بسرعة معالجة الملفات المالية، واحترام آجال الأداء، وفعالية قنوات التواصل المؤسساتي، فضلاً عن قدرة الإدارة الجامعية على ضمان حقوق مختلف المتدخلين في العملية التعليمية.
كما يسلط الملف الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بتدبير التكوينات الجامعية ذات التمويل الخاص، ومدى وضوح المساطر المرتبطة بتنفيذ الالتزامات المالية المترتبة عنها، خاصة عندما تكون مختلف المخرجات الأكاديمية قد تحققت على أرض الواقع.
وفي ختام الجلسة الأخيرة، قررت المحكمة الإدارية بالرباط تأجيل الملف إلى جلسة فاتح يوليوز 2026، لتمكين الأطراف من تقديم تعقيباتهم ومستنتجاتهم النهائية في ضوء نتائج الخبرة المحاسباتية ومجريات المناقشة.
وبين انتظار الأساتذة لمستحقاتهم، وتمسك الإدارة بمقتضيات المساطر القانونية، يبقى الحسم القضائي المرتقب هو الكفيل بتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المناسبة، وإلى أن تقول المحكمة كلمتها الأخيرة، يظل السؤال الذي يتردد داخل الأوساط الجامعية قائما، كيف يمكن لتكوينات جامعية استكملت برامجها، وتسلم طلبتها شهاداتهم، أن تبقى مستحقات مؤطريها معلقة لأكثر من خمس سنوات، رغم مرور تسع عشرة جلسة قضائية دون حسم نهائي في الملف؟