سجلت المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول "وضعية الطب الشرعي ببلادنا"، الذي عرض اليوم الثلاثاء أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب استمرار مجموعة من الإكراهات والتحديات التي تحد من فعالية المنظومة، وفي مقدمتها الخصاص في الموارد البشرية المتخصصة، والتفاوت المجالي في توزيع الأطباء الشرعيين، وعدم توفر عدد من الدوائر القضائية على أطباء متخصصين، إضافة إلى محدودية البنيات التحتية والتجهيزات في بعض الجهات، وضعف جاذبية التخصص نتيجة الإكراهات المهنية والمالية المرتبطة بممارسته.
كما وقفت المهمة على تعدد المتدخلين في مجال الطب الشرعي بين قطاعات الصحة والعدل والداخلية والتعليم العالي والنيابة العامة، الأمر الذي يستوجب تعزيز آليات التنسيق والحكامة المؤسساتية لضمان التكامل والنجاعة في تدبير هذا المرفق الحيوي.
وانطلاقا من المعطيات والمعاينات الميدانية واللقاءات المنجزة، يضيف التقرير، خلصت المهمة إلى أن النهوض بمنظومة الطب الشرعي يقتضي اعتماد مقاربة شمولية ترتكز على تعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي، وتطوير التكوين الأساسي والمستمر، والرفع من عدد الأطباء المتخصصين وتحسين ظروف اشتغالهم، وتأهيل البنيات التحتية والتجهيزات، مع إرساء آليات فعالة لضمان الجودة والاستقلالية المهنية واحترام المعايير الوطنية والدولية ذات الصلة.
وأوصى التقرير باستكمال المنظومة القانونية المؤطرة للطب الشرعي، من خلال مراجعة بعض مقتضيات القانون رقم 77.17، والتعجيل بإصدار وتحيين النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيله.
كما دعا إلى تعزيز استقلالية الطبيب الشرعي أثناء أداء مهامه، وتوضيح اختصاصات مختلف المتدخلين في منظومة الطب الشرعي، وتحديد معايير الاعتماد والترخيص لمؤسسات الطب الشرعي، وإقرار آليات واضحة للمراقبة والتقييم وضمان الجودة.
وأوصى التقرير بمراجعة النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بالخبرة الطبية الشرعية وتقييم الضرر الجسدي، وتوحيد المرجعيات المعتمدة في تقدير نسب العجز والأضرار البدنية، وملاءمة التشريعات الوطنية ذات الصلة مع المعايير الدولية، خاصة بروتوكول إسطنبول.
كما دعا إلى مراجعة منظومة المصاريف القضائية والتعويضات الممنوحة عن الأعمال الطبية الشرعية، والرفع منها بما يتلاءم مع طبيعة المهام المنجزة وحجم المسؤولية العلمية والقانونية الملقاة على عاتق الأطباء الشرعيين.
وعلى المستوى التنظيمي، دعا التقرير إلى إعداد استراتيجية وطنية متعددة السنوات للنهوض بالطب الشرعي، وإحداث لجنة وطنية دائمة تضم ممثلين عن القطاعات الحكومية والمؤسسات والهيئات المهنية المعنية، واعتماد منظومة وطنية رقمية لتدبير وتتبع الأنشطة الطبية الشرعية.
وشملت التوصيات وضع نظام وطني للاعتماد وضمان الجودة، وإحداث آلية وطنية للتقييم الدوري، ووضع مخطط وطني استعجالي لتأهيل الموارد البشرية، والرفع التدريجي من عدد الأطباء المتخصصين، وإحداث مناصب مالية سنوية كافية لفائدة أطباء الطب الشرعي.
كما أوصى التقرير بتحفيز الأطباء على الولوج إلى هذا التخصص، وتحسين وضعيتهم المادية والمهنية، وتعزيز التكوين التخصصي والمستمر، وإدماج وحدات الطب الشرعي وحقوق الإنسان والتوثيق الطبي الشرعي ضمن التكوين الأساسي للأطباء.
ودعا، كذلك، إلى تأهيل مستودعات الأموات، وتوفير التجهيزات التقنية الحديثة، وتطوير المختبرات المتخصصة، وإحداث وحدات متنقلة للطب الشرعي لفائدة المناطق النائية، وتخصيص فضاءات ملائمة لاستقبال النساء والأطفال ضحايا العنف.
وعلى مستوى جودة الخدمات، أوصى التقرير باعتماد دلائل مرجعية وطنية، وتعميم النماذج الموحدة للشهادات والتقارير الطبية الشرعية، وتقليص آجال إنجاز الخبرات، وتعزيز التنسيق بين الأطباء الشرعيين والسلطات القضائية والأمنية والصحية، وإرساء نظام وطني لحفظ وأرشفة المعطيات الطبية الشرعية.
كما طالب بتعزيز دور الطب الشرعي في مكافحة التعذيب وسوء المعاملة والعنف ضد النساء والأطفال، وتعميم تطبيق بروتوكول إسطنبول، وتطوير آليات التكفل الطبي الشرعي بالنساء والأطفال ضحايا العنف وضحايا الاتجار بالبشر، وضمان ولوج جميع المواطنات والمواطنين إلى خدمات الطب الشرعي على قدم المساواة.