آيت منا.. ظاهرة صوتية تنتج جعجعة بلا طحين

أحمد مدياني
أحمد مدياني

مرت على نادي الوداد الرياضي فترات أصعب مما يمر به اليوم، ومع ذلك، ظل جمهوره وفيا للشعار، حاضرا في المدرجات، قريبا من الإرث الذي تركه المؤسسون، بل حتى في زمن "المجموعة الوطنية"، حين كانت المكائد تحيط به من كل جانب لإنهائه، لم تتآكل قاعدته الجماهيرية، بل على العكس، استمر المد الأحمر داخل الدار البيضاء، خارجها وعبر كل بقاع العالم.

إذا، ومما سبق، يمكن أن يطرح البعض سؤال: لماذا كل هذه الهبة في وجه رئيسه الحالي هشام آيت منا؟

الجواب بسيط، وهو: هوية النادي هي التي تتآكل اليوم!

على مر عقود، كانت مسؤولية رئاسة القلعة الحمراء أشبه بمنصب سيادي، يجعل من الجالس على كرسي التسيير بـ"مركب بن جلون" في منزلة تفرض عليه التحرك بوقار، مع حرصه التام على أن صفة رئيس "وداد الأمة" هي امتداد لحياته الشخصية، طموحاته الفردية، وأيضا مصالحه في المال والأعمال والسياسة، الظاهر منها والباطن...

هنا، يكمن الخطر الذي أضحى يتضخم يوما بعد آخر. لأن "الأصل مُعتلٌ". الرئيس الذي أعلن قرب رحيله، يتجاهل أن كل كبيرة وصغيرة يقترفها تؤخذ بعين الاعتبار.

مثال على ذلك، تعبير عدد من المسؤولين عن غضبهم، وآخرين عن امتعاضهم، من حضور هشام آيت منا في إحدى سهرات ليلة رأس السنة التي نظمتها وبثتها قناة "شوف تيفي". لم يكن عند الذين عبروا عن الموقف مشكل في الظهور وأين تم، بل في سياقه وكيف ظهر مسؤول عن رئاسة "عميد الأندية".

سمعت من أفواه رجال ونساء يحبون الوداد، أو يقدرونه على الأقل، تحذيرات من أن الذي مُنحت له رئاسة يحترف البحث عن "الشاو" على حساب التسيير الجيد والتدبير بحكامة وتقاسم المسؤولية مع من يستحقون.

قال كثر: "الوداد اليوم بين يدي شخص عنده انتفاخ كبير في الأنا، تدمره هو وكل ما حوله".

كل ما سمعته أو تم نقله، للأسف، تحول إلى واقع، بل بطريقة أبشع مما كان يروج.

حين قدم آيت منا للوداد، وجد ما لم يجده أي رئيس قبله.

*دعم غير مسبوق وصل حد تخوين من عارضه في البداية أو بعد حين؛

*ترتيب إفريقي ممتاز أفرزته حقبة سعيد الناصري (سنعود للحديث عنه هنا في مقارنة مع آيت منا)؛

*مشاركة تاريخية في أول نسخة لكأس العالم للأندية بكل غنائمها الإعلامية والمادية؛

* جمهور مؤطر بفضل فصيله "وينرز" يقدم مصلحة النادي على أي مصلحة أخرى وينتج مواقفه بعقلانية، ويساهم أيضا في الرفع من العائدات المالية للنادي من المدرجات وخارجها؛

* كفاءات تعج بها جنبات النادي سواء في الظل أو العلن؛

* انسجام داخل إدارته بفضل طول سنوات خدمة أطرها في ما بينها؛

* موارد بشرية على كافة المستويات وكل الفئات السنية كانت تحتاج فقط لقائد مؤمنٍ بروح الجامعة لا الانتصار للفرد...

هل استثمر هشام آيت منا في ما سبق لأجل النادي؟

الجواب: لا. بل قام بنسف كل ما وجده وأكثر. لا أجد هنا أبلغ مما جاء في بلاغ فصيل "فدائيو الوداد" عقب مباراة ناديهم ضد الكوكب المراكشي، لإظهار تفاصيل هذا النسف.

جاء في بلاغ الفصيل: "أمس أجدادنا المجيد كايشوف بحُرقة فرئيس كايشتت الفرقة".

ثم يشرحون أسباب نزول العبارة الأخيرة بالقول: "من نفس الملعب وقبل حوالي 12 عاما وظفنا نفس الكلمات للتطرق لحال الوداد الذي لم يكن يتماشى مع تاريخ أجدادنا الحافل بالإنجازات، واليوم مجددا نجد أنفسنا مضطرين لاستحضار ذكرى رجال الماضي بمواقفهم وتضحياتهم وحكمتهم قبل كل شيء، رجال تقلدوا مناصب كبرى ولم يترددوا في خدمة مصالح النادي ولم يكونوا يوما ممن يجعلون النادي أداة لقضاء مصالحهم الشخصية وتقلّد المناصب.

هشام آيت مانة، أنت هنا لخدمة النادي وليس لجعله يمشي وفق هواك وما يخدم مصالحك أنت. أنت هنا من أجل خلق جو صحي والحفاظ عليه حتى تدور عجلة النادي بكل فروعه دون عرقلة أو فرملة.

أنت هنا من أجل لمّ الصفوف حول غاية واحدة لكن كل ما تجيده هو زرع الفتنة والتفرقة في صفوف لاعبي الفريق، وبين المنخرطين ولم تسلم الجماهير هي الأخرى من شرّك.
إن طريقة اختيارك للمدربين هي الأخرى محطّ علامات استفهام، فهل يتم التعاقد مع الأصلح لتحقيق النتائج الإيجابية أم أن المنبطح يبحث عن منبطح مثله يقبل اقتحام مستودع الملابس بين الشوطين لغاية لا يعلمها إلا الله والرئيس والوكلاء الذين يسلبون الرسمية من هذا ليمنحوها لذاك". (انتهى الاقتباس من بلاغ فصيل الوداد)

ذكرت أننا سنعود لسعيد الناصري، نعم، الإنصاف يفرض ذلك، لأنه خلال فترة رئاسته، كان يروج ما لا يُنطق الواقع بل يُحرفه.

الناصري يُتقن حرفة التسيير من رحم الخصوصية المغربية. لم يكن يقدم مصالحه الشخصية على مصالح الوداد... كان "كيتشاور" بطريقته الخاصة... يضع على يمينه وشماله وأمامه وخلفه من يقدم الخدمات للنادي... يحيط بالأخير أطرا تفهم في التسيير والإدارة والتحكيم والسفريات والحسابات واقتناص الصفقات التي تركت الأحمر طيلة عقد من الزمن في القمة محليا وقاريا...

الناصري كان يُظهر للعلن أنه "يدبر النادي بعشوائية"، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما. حتى كرهه للتواصل وجعله لهيكلة النادي شيئا غامضا أمام الجميع، حين تتأمل تلك الفترة، تجد أن ذلك كان يقترفه عن سبق إصرار وترصد للمجد دون بهرجة شخصية.

الناصري حين تقلد مسؤولية رئاسة الوداد وجد الشتات الذي حوله لاستقرار، في المقابل، جعل آيت منا من الشتات بين مكونات النادي أصلا تجاريا يتربح منه.

واقع يفرض مرة أخرى طرح سؤال: ماذا يُتقن هشام آيت منا؟

الجواب بسيط: يُتقن أن يكون أين ما حل وارتحل "ظاهرة صوتية تنتج جعجعة بلا طحين!"

مواضيع ذات صلة