لا تخطئه العين وسط الحشود والمسيرات المؤيدة لفلسطين التي تحتضنها العاصمة الرباط، يقف سيون أسيدون شامخا وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية، يرفع لافتة بحروف حادة كصوته.
سيون أسيدون، مغربي يهودي، معروف بـ "المعطي" ، وهو الاسم الذي منحه له رفاقه رغم تفضيله لاسم "ميلود" لما يحمله من دلالات رمزية. ولد مع قيام إسرائيل سنة 1948، وكأن القدر اختاره ليقف في مواجهة مصيره منذ اللحظة الأولى، محولا انتماءه اليهودي إلى سلاح لمناهضة المشروع الصهيوني، حتى أصبح واحدا من أبرز الوجوه المغربية والعربية التي ارتبطت حياتها ارتباطا وثيقا بقضية فلسطين.
من مقاعد الدراسة في أكادير والدار البيضاء إلى ساحات النضال في باريس والرباط، ومن زنازين السجن لسنوات طويلة إلى قيادة حركة المقاطعة.
ظل الرجل وفيا لقضية يعتبرها معركة تحرر وطني وإنساني لا تقبل المساومة، قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء، وتضع فلسطين في قلب معركة الأحرار ضد كل أشكال الاحتلال والغطرسة.
الأصول والنشأة
ولد سيون أسيدون في 6 ماي عام 1948 بمدينة أكادير، من أسرة أمازيغية يهودية تنحدر من مدينة آسفي، وله شقيقتان وشقيق، لم يكن قد أتم الثانية عشرة من عمره حين ضرب زلزال مدمر المدينة في 29 فبراير 1960، ما دفع أسرته إلى الانتقال إلى الدار البيضاء.
في صيف 1964، وأثناء رحلة كشفية إلى الجنوب الشرقي، شاهد عمليات ترحيل اليهود المغاربة إلى فلسطين، فلم تؤثر الدعاية الصهيونية في أسرته، فاختار والداه البقاء في المغرب إلى أن وافاهما الأجل، بينما اختار إخوته الهجرة إلى فرنسا، وهو القرار الذي اعتبره أسيدون لاحقا حدثا فارقا في حياته، خاصة وأن كثيرا من أقارب والديه هاجروا.
ينظر أسيدون إلى الهجرة نحو إسرائيل باعتبارها خيارا ارتبط بالظروف الاجتماعية لليهود المغاربة، إذ يرى أن الفقراء والبسطاء منهم هم الذين شدوا الرحال نحوها، مدفوعين بالوعود أو الحاجة، بينما اتجهت الطبقة المتوسطة والمثقفة إلى بلدان أوروبية وأمريكية، في حين تمسك أبناء الطبقة الميسورة بالبقاء في المغرب.
شرارة النضال
تلقى أسيدون تعليمه الابتدائي في مدرسة عمومية بمدينة أكادير حملت اسم مديرها الفرنسي "بوسك"، ثم واصل مساره الدراسي في ثانوية يوسف بن تاشفين بالمدينة نفسها.
وعند انتقاله إلى الدار البيضاء بعد زلزال أكادير، واصل أسيدون تعليمه في الثانوية الفرنسية "ليوطي"، التي استقبلته ضمن منكوبي الكارثة، وهناك اختار التخصص في الرياضيات.
حصل أسيدون على شهادة البكالوريا سنة 1965، وفي العام الموالي 1966 انتقل إلى فرنسا لمتابعة دراسته العليا في الرياضيات بجامعة باريس.
بدأت ملامح وعيه السياسي والفكري تتشكل بفرنسا، خاصة بعد عدوان 1967، أو ما يعرف بالنكسة عندما اندلعت حرب الأيام الستة، حيث خاضت الجيوش العربية حربا ضد إسرائيل وكانت نتيجتها احتلال الكيان الصهيوني لأراض فلسطينية جديدة.
خلال هذه المرحلة اكتشف أسيدون حقيقة المشروع الصهيوني وتأثر بحدة الأحداث، من تلك اللحظة، انخرط في دعم القضية الفلسطينية، معتبرا إياها قضية تحرر تستوجب النضال والمقاومة.
كما عاصر مرحلة عالمية مضطربة، تميزت بتصاعد الاحتجاجات والحركات المناهضة للحروب، ومنها معارك الشعب الفيتنامي التي فرضت على الولايات المتحدة القبول بمفاوضات مع الثوار، كما شارك في انتفاضة ماي 1968 رفقة مجموعة ثورية فرنسية.
من سبورة الرياضيات إلى دار المقري
عاد إلى المغرب أواخر 1968 قبل إتمام دراسته، والتحق بجامعة محمد الخامس بالرباط لمتابعة دراسة الرياضيات، وعمل أستاذا للرياضيات لإعالة أسرته.
في 23 مارس 1970، كان من مؤسسي اليسار الجديد بالمغرب عبر مشاركته في تأسيس أحد فصائلها التي تطورت في نهاية السبعينيات لتصبح منظمة "23 مارس"، التي تبنت الفكر الماركسي ـ اللينيني ونادت بأن يكون الحكم بيد الشعب.
في 23 فبراير 1972، تم اعتقاله ونقله إلى المعتقل السري "دار المقري"، حيث تعرض للتعذيب الذي خلف إصابات خطيرة في يده وأذنه ما خلف آثارا على وضعه الصحي.
اتهم بالتخطيط لقلب النظام والقيام بأعمال العنف، وهي التهمة التي ينفيها ويؤكد أن سبب الاعتقال هو الرأي لكونه ساهم إلى جانب رفاقه في إصدار جريدة تحت اسم "صوت الكادح"، التي تضمنت مقالات رأي فقط..
خاض في دجنبر 1972 إضرابا عن الطعام لمدة 32 يوما مع معتقلين آخرين، للمطالبة بحقوق السجناء السياسيين، مثل الحق في قراءة الجرائد والمجلات والكتب والاستماع إلى الإذاعة والحق في الدراسة.
وفي صيف 1973، حكمت عليه غرفة الجنايات بالدار البيضاء بالسجن 15 سنة، إلى جانب 80 متهما تراوحت أحكامهم بين السجن المؤبد والبراءة.
خلال قضائه العقوبة السجنية في السجن المركزي بالقنيطرة تمت متابعته مجددا عام 1975 وتعرض للتعذيب مرة أخرى، وعاش سنة كاملة في عزلة تامة عن المعتقلين.
محاولة الفرار من السجن
في أكتوبر 1979، حاول أسيدون، رفقة معتقلين آخرين، الفرار من مستشفى ابن سينا بالرباط. ويروي أنه خلال فترة اعتقاله كان يقيم في قسم السجناء بالطابق الخامس، حيث وضعت خطة للهروب باستعمال حبل للنزول من النافذة.
كان أول النازلين رفيقه رحال جبيهة، الذي سقط من الأعلى وفارق الحياة على الفور، وهو ما شكل صدمة كبيرة له ولرفاقه، ليبحثوا عن بدائل أخرى، فاختاروا استعمال السلاليم، حيث نجحوا في مغادرة المستشفى والتوجه نحو الدار البيضاء رغم انتشار الحواجز الأمنية المشددة، بينما كانت عائلات المعتقلين تحت مراقبة صارمة، غير أن فرحتهم بالحرية لم تدم أكثر من أربعة أيام، إذ أُلقي القبض عليهم من جديد، وأُعيد تقديمهم للمحاكمة.
حظي أسيدون بدعم من منظمات حقوقية داخل المغرب وخارجه دعت إلى الإفراج عنه، فيما بادر أفراد أسرته بفرنسا، بالتعاون مع عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان، إلى إنشاء لجنة خاصة لمتابعة قضيته والضغط من أجل إطلاق سراحه.
رفقة السرفاتي.. حلم المقاومة
خلال فترة سجنه، حصل على إجازتين في الرياضيات والاقتصاد، وفي سنة 1982 من داخل أسوار سجن القنيطرة بعث أسيدون رسالة إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى جانب الحقوقي والمناضل اليساري ابراهام السرفاتي، معلنين استعدادهما للانضمام إلى المقاومة الفلسطينية عبر مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالرباط، وهي الرسالة التي حظيت بترحيب وتقدير من القيادة الفلسطينية.
في غشت 1984، غادر أسيدون أسوار السجن بعد قضائه 12 سنة ونصف خلف القضبان، إثر استفادته من عفو عام أصدره الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، التي تحل في 20 غشت من كل سنة، وشمل نحو 50 معتقلا سياسيا من مختلف تيارات اليسار، بينهم منتمون إلى تنظيمات "إلى الأمام" و"23 مارس" و"لنخدم الشعب". ورغم الإفراج عنه، حرم من الحصول على جواز سفره لمدة 8 سنوات.
بعد مغادرته السجن خطا نحو مسار مهني جديد بتأسيس شركة خاصة للمعلوميات في الدار البيضاء، قبل أن يستقر في مدينة المحمدية.
إلى جانب نشاطه السياسي، كان من مؤسسي منظمة "ترانسبرانسي المغرب" لمحاربة الرشوة والفساد، وشغل منصب أول كاتب عام لها.
ظل أسيدون حاضرا في مختلف المسيرات والفعاليات التضامنية مع فلسطين مرتديا الكوفية الفلسطينية، وانخرط في الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، وكان من مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل بالمغرب سنة 2010، كامتداد لحركة المقاطعة العالمية التي تأسست بفلسطين سنة 2005.
يرى أن المقاطعة أداة فعالة للضغط على الاحتلال، مؤكدا أن الحركة حققت نتائج ملموسة تمثلت في انسحاب عدد من البنوك والشركات العالمية من الاستثمار في الكيان الصهيوني ومقاطعته في مجالات اقتصادية وعلمية ورياضية.
حياته الشخصية
في مطلع السبعينيات، وأثناء سنوات دراسته في باريس، تعرف أسيدون إلى فتاة فرنسية تزوجها سنة 1970، وبعد سنتين وفي اللحظة التي كان يستعد فيها لخوض حياة عائلية مستقرة، ولدت طفلته الأولى عشية اعتقاله سنة 1972. لم يكن أمامه، وهو الذي سيقضي مدة طويلة خلف القضبان، سوى أن يختار الانفصال، لتعيش ابنته مع والدتها في فرنسا. وبعد ذلك تزوج بسيدة فلسطينية أمريكية وأنجب منها ولدا.
أسيدون وحماس
يؤكد أسيدون، في تصريحاته الإعلامية، على الفصل الواضح بين الديانة اليهودية باعتبارها معتقدا دينيا، وبين الصهيونية كتنظيم سياسي، مبرزا أن موقفه ينبع من رؤية نقدية تعتبر الصهيونية حركة استعمارية تقوم على التمييز والاحتلال.
ويرى أن معاداة السامية هي بالأساس شكل من أشكال كراهية اليهود، خاصة في المنطقة الأوروبي، وترتبط تاريخيا بوجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية.
وبخصوص حركة حماس، يضعها أسيدون في صفوف المقاومة الفلسطينية، مع إقراره بوجود اختلافات في المواقف معها، لكنه يعتبرها قوة محركة تساهم في إضعاف المشروع الصهيوني، كما يرفض ما يسميه "أسطورة الإرهابيين"، مشددا على ضرورة تفكيك هذا المفهوم، إذ يرى أن المستعمر دأب على وصف كل من يؤدي واجبه الوطني لتحرير بلده بـ"الإرهابي".
ويوضح، في حوارات إعلامية، أن كثيرا من المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل تم توطينهم على الخطوط الحدودية مع غزة، ليكونوا في الصفوف الأمامية للمواجهة مع المقاومة، مشيرا إلى أن من بين هؤلاء عدد من المغاربة يوجدون اليوم في الخط الأول في الاصطدام مع حركة حماس.
أسمى أمانيه
تثقل السنوات كتفيه، ويقسو المرض على جسده الذي وسمته سنوات طويلة خلف جدران السجون الرطبة، لكن قلبه ما يزال يخفق على إيقاع فلسطين، سيون أسيدون، الذي قضى عمره بين ساحات النضال وزنازين السجون، لا يتردد في التعبير عن أسمى أمانيه، وهي أن يرى الأرض التي وهبها صوته وحياته تتنفس حرية، ويعيش فيها كل الفلسطينيين بمن فيهم اللاجئين الذين أجبروا على مغادرة وطنهم.
قبل سنة، صرح في حوار إعلامي بنبرة تجمع بين الأمل والاعتراف بوطأة العمر "لا أدري، أحب أن أتقاعد وأعود إلى بيت جميل في الأطلس الكبير، هذا ما أفكر فيه، لكني لا أعلم متى سيكون هذا".
اليوم، وهو يواجه وضعا صحيا حرجا، تبدو خطواته أبطأ، لكن صوته لم يخفت، ونظراته لم تفقد بريق الإصرار، كأنما يعلن في صمت أن العمر قد ينتهي، لكن الحلم باق، وأنه مهما طال الليل، ستشرق شمس الحرية على فلسطين.