لا يمكن التقليل من الدور المحوري الذي تلعبه المنظمات الحقوقية الكبرى في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها على الصعيد العالمي، فهي بمثابة عين ساهرة على التجاوزات، وأداة ضغط لا غنى عنها لمساءلة الحكومات عبر تقاريرها الموثقة وحملاتها الإعلامية.
إلا أن هذا الدور الكبير يضعها أمام تحد جوهري يتمثل في ضرورة الحفاظ على الحياد والموضوعية التامة؛ فالمطالبة بالعدالة لا يجب أن تقوض بأي شكل من أشكال التناقض في تطبيق المعايير أو الانتقائية في اختيار القضايا أو الدفاع المحتشم.
ولكي تحافظ هذه المنظمات على مصداقيتها وتأثيرها، ينبغي أن يكون معيارها الوحيد هو انتهاك حقوق الإنسان، بغض النظر عن الجغرافيا أو الخلفية السياسية أو شهرة الأفراد المعنيين أو الدول التي ينتمون إليها.
دفاع محتشم عن بوعلام صنصال
برز هذا التناقض في تعامل هذه المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، مع القضايا بين المغرب والجزائر، لا سيما في ملف الكاتب بوعلام صنصال والمؤرخ محمد الأمين بلغيث.
اعتقل الكاتب الجزائري بوعلام صنصال يوم 16 شتنبر 2024، بمطار الجزائر العاصمة، ووجهت إليه تهم ثقيلة تتعلق بـ"المساس بوحدة الوطن" و"التخابر مع جهات أجنبية".
وفي مارس 2025، أصدرت محكمة الجنح بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية حكما بالسجن خمس سنوات نافذة، مع غرامة مالية قدرها 500 ألف دينار جزائري (حوالي 3500 يورو).
وأيد مجلس قضاء الجزائر هذا الحكم استئنافيا في يوليوز 2025، ليصبح نهائيا.
أثار اعتقاله وحكمه أزمة حادة بين الجزائر وفرنسا، التي أعربت عن أسفها ودعت إلى حل "سريع، إنساني ومشرف".
ورغم هذا الزخم، فإن حجم الحملات والضغط الحقوقي الممارس من قبل المنظمات الدولية الكبرى، مثل منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش"، لا يقارن بالزخم الذي شهدته قضايا أخرى مماثلة أو أقل خطورة في دول الجوار.
تشير مراجعة للبيانات والتقارير المنشورة من قبل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بين 2023 و2025 إلى وجود عدد أكبر من التفاعلات والأوراق الرسمية مع المغرب، مقارنة بالجزائر.

منظمة العفو الدولية
في الفترة التي تلت اعتقاله، واجهت منظمة العفو الدولية انتقادات بسبب ما اعتبر "صمتا" أو "تجاهلا" لقضية صنصال.
وردا على هذه الانتقادات، أوضح فرع المنظمة في فرنسا على منصة "إكس" (تويتر سابقا)، يوم 10 دجنبر 2024، أنه "يعمل بنشاط للحصول على معلومات" بخصوص القضية، واعتبر أن المعلومات التي تفيد باحتجاز الكاتب الفرنسي الجزائري بسبب ممارسته حقه في حرية التعبير "مقلقة للغاية".
لكن يلاحظ أن هذا المنشور كان هو الوحيد المباشر الذي تناول اختفاء صنصال على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن الملف دام سبعة أشهر ومر بمراحل متعددة.
ورغم إصدار المنظمة بيانات عامة تدين "الاعتقالات التعسفية" في الجزائر، مثل بيانها بتاريخ 8 أبريل 2025، إلا أن تركيزها المباشر على حالة صنصال لم يصل إلى مستوى الحملات المكثفة أو الإدانات القوية التي شهدتها قضايا أخرى في المنطقة، منها المغرب، مما أثار تساؤلات حول التباين في الاستجابة.

"هيومن رايتس ووتش"
أما هيومن رايتس ووتش، فاكتفت بذكر ملف بوعلام صنصال ضمن تقريرها السنوي لأحداث سنة 2024.
وأوردت المنظمة أن "السلطات، التي وسعت تعريفا فضفاضا للإرهاب في يونيو 2021 ووضعت قائمة بالكيانات والأفراد الإرهابيين، استخدمت التهم المتعلقة بالإرهاب بشكل متزايد لقمع المعارضة السلمية".
وأضافت المنظمة "في 16 شتنبر، اعتقلت قوات الأمن الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال في مطار الجزائر العاصمة، ولاحقا قاضته السلطات بتهم تتعلق بالإرهاب".
لكن المنظمة لم تصدر بيانات محددة أو حملات مكثفة تركز بشكل مباشر على قضية صنصال بالاسم، خارج هذا التقرير العام.

تجاهل ملف المؤرخ محمد الأمين بلغيث
وفي السياق ذاته، اعتقل المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث يوم 21 ماي 2025، بعد تصريحاته المثيرة للجدل في مقابلة تلفزيونية بثت يوم 18 ماي 2025.
ووجهت إليه تهم تتعلق بـ"المساس بالوحدة الوطنية" و"نشر خطاب الكراهية".
أحيل ملفه على النيابة العامة في 23 ماي 2025، قبل أن يعرض على قاضي التحقيق بمحكمة سيدي امحمد بالجزائر العاصمة يوم 25 ماي 2025.
وفي 3 يوليوز 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكما بالسجن خمس سنوات نافذة في حقه.

ورغم خطورة التهم وطول مدة الحكم، فإن قضية بلغيث لم تلق نفس القدر من الاهتمام الإعلامي أو الحقوقي الدولي المكثف الذي حظي به ملف صنصال.
ومثل قضية صنصال، مر ملف بلغيث بالإجراءات القانونية المعتادة، بدءا بالتحقيق الأولي ثم عرض القضية على النيابة العامة وقاضي التحقيق، وصولا إلى المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم بحقه.
ولم تصدر منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بيانات محددة أو شجبا قويا يركز بشكل مباشر على حالة محمد الأمين بلغيث بالاسم، مما يثير تساؤلات حول المعايير التي تحدد أولوياتها في متابعة القضايا الحقوقية الفردية.


معايير مزدوجة؟
هذا التباين في الاهتمام بين قضيتي صنصال وبلغيث، على الرغم من تقارب طبيعة التهم وخطورة الأحكام الصادرة، يطرح إشكاليات جدية تتعلق بانتقائية المنظمات الحقوقية الدولية في تحريك آليات التنديد والتضامن.
في الحالة المغربية، غالبا ما تبادر هذه المنظمات إلى التفاعل السريع مع الأحداث، عبر إصدار بيانات وتصريحات، وتنظيم حملات إعلامية موجهة، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير اختيار الملفات وجدول أولوياتها.
يبقى التحدي الأكبر أمام هذه المنظمات هو إثبات قدرتها على تطبيق معايير موحدة وموضوعية، بعيدا عن أي تأثيرات سياسية أو إعلامية أو تمويلية أو اعتبارات جغرافية، لضمان استمرار الثقة في نضالها الحقوقي النبيل.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثانية على أن الحقوق والحريات "تكفل لجميع الناس دون تمييز من أي نوع"، سواء أكان هذا التمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي أو غير السياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر.
هذا المبدأ لا يقتصر فقط على الدول والحكومات، بل يمتد ليشمل أيضا الهيئات والمنظمات التي تتولى الدفاع عن حقوق الإنسان ومراقبة مدى احترامها.
المنظمات الحقوقية مطالبة بأن تتعامل مع جميع القضايا بمعيار واحد، وبميزان عدالة لا يميل، لأن التمييز في التفاعل مع القضايا الحقوقية، سواء أكان صريحا أو ضمنيا، يفقد هذه المنظمات استقلاليتها ويمس بجوهر رسالتها.