تصعيد كبير عرفته عدة مدن ليلة الأربعاء/الخميس في حدة احتجاجات ما بات يُعرف بـ"جيل زد"، حيث تحولت مظاهرات سلمية إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب في عدد من المناطق بشمال البلاد وجنوبها وسط حالة استنفار أمني واسع.
في الشمال، عرفت مدينة الفنيدق الحدودية توترا شديدا بعدما أغلقت السلطات الطريق المؤدية إلى معبر سبتة المحتلة، تحسبا لوصول مجموعات من الشبان والقاصرين الذين يتخذون المعبر وجهة لمحاولات الهجرة غير النظامية، لكن ذلك لم يمنع من حدوث مواجهات بالرشق بالحجارة، وفق ما أظهرته فيديوعات منشورة بمواقع التواصل الاجتماعي. وفي مارتيل، أقدم محتجون على إضرام النار في حاويات النفايات وقطع الطرق بالحجارة، بينما انتهت مظاهرة في طنجة إلى مواجهات عنيفة على طول الكورنيش الساحلي، حيث سجلت خسائر مادية وأضرار في الممتلكات.
في الجنوب، تجددت أعمال العنف بمدينة إنزكان للمرة الثانية خلال يومين، كما شهدت كلميم، التي انطلقت منها شرارة احتجاجات فقط هذا الأربعاء، مواجهات عنيفة ورشقا بالحجارة. ولم تكن تارودانت بمنأى عن هذه الأحداث، إذ عرفت هي الأخرى أعمال عنف واسعة النطاق.
في المدن الكبرى، شهدت الدار البيضاء تطورات مماثلة بعدما تحولت مظاهرات سلمية إلى مواجهات عنيفة بمحيط مؤسسات ومقرات رسمية، فيما لم تهدأ الأوضاع في سلا إلا بعد تعزيز تواجد القوات المساعدة، التي كانت منشغلة بتأمين مباراة لفريق الجيش الملكي بالملعب الأولمبي في العاصمة. في هذه المدينة، أضرم ملثمون النار في سيارتين للشرطة وكذلك أيضا في محيط وكالة بنكية، لكن بعيدا عن الحي الذي دعت الحركة للتظاهر فيه.
ووقعت أعمال الشغب في الغالب، في مدن صغيرة، لم تكن ضمن لائحة المناطق التي دعت الحركة للتظاهر فيها، ومن بينها سيدي بيبي وقلعة السراغنة، وبُثت صورا وفيديوهات تظهر تخريب سيارات وآثار حجارة في بعض الشوارع. أما في الصخيرات وعين عتيق، فقد سجلت أيضا مواجهات وصفت بالعنيفة.

قتلى في أعمال شغب
وقتل شخصان بالرصاص ليل الأربعاء أثناء محاولتهما اقتحام ثكنة للدرك خلال أعمال شغب غير مسبوقة. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن مصدر في السلطات المحلية لعمالة انزكان أن عناصر الدرك الملكي في بلدة القليعة "اضطرت إلى استعمال السلاح الوظيفي، في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، لصد عملية هجوم واقتحام لمركز الدرك الملكي، في محاولة للاستيلاء على الذخيرة والعتاد والأسلحة (...) حيث لقي شخصان مصرعهما متأثرين بإصابتهما بأعيرة نارية".
وأشار إلى إصابة أشخاص آخرين بجروح، من دون أن يحدد عددهم.
وعن توالي الأحداث في هذه البلدة الواقعة في جنوب البلاد، أوضح المصدر أن مجموعات من الأشخاص رشقوا مركز الدرك الملكي بالحجارة وحاولوا اقتحامه، ليتم صد هم "باستعمال قنابل مسيلة للدموع".
وأضاف أن هؤلاء "عاودوا، بعد تعزيز صفوفهم بمجموعات كبيرة من مثيري الشغب، الهجوم على مركز الدرك الملكي، مدججين بأسلحة بيضاء"، و"استولوا على سيارة و4 دراجات نارية تابعة لمصالح الدرك الملكي، وتم إضرام النار في السيارة وفي جزء من بناية المركز، مع الشروع في محاولة الاستيلاء على الذخيرة والعتاد والأسلحة الوظيفية".
وبحسب المصدر نفسه فقد اضطر عناصر الدرك "لاستخدام أسلحتها الوظيفية، في حالة للدفاع الشرعي عن النفس، لصد هذه المجموعات من المقتحمين".
وهذا أخطر حادث تشهده البلاد في اليوم الثاني لأعمال شغب تلت دعوات للتظاهر نظم تها "جيل زد 212"، الحركة الشبابية التي لا تكشف هوية القيمين عليها والتي تطالب بإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم.
ومنذ السبت تمنع السلطات تظاهرات دعت إليها "جيل زد" في مدن عدة. لكن للمرة الأولى، سمحت السلطات للحركة بتنظيم تظاهرات في مدن عدة مساء الأربعاء، وقد جرت غالبية هذه الاحتجاجات بهدوء.
وتجمع بضع مئات من المتظاهرين، غالبيتهم من الشباب، في كل من الدار البيضاء وفاس وطنجة وتطوان ووجدة وأطلقوا شعارات تدعو إلى تحقيق "العدالة الاجتماعية" و"إسقاط الفساد"، فيما دعا آخرون إلى "رحيل" رئيس الخكومة عزيز أخنوش.

"المحافظة على السلمية"
لكن مع تقدم ساعات الليل اندلعت أعمال شغب في مدن أخرى، لم تكن ضمن بالضرورة ضمن المناطق التي دعت الحركة للتظاهر فيها.
وفي دعوتها إلى التظاهر الأربعاء شددت "جيل زد 212" على "المحافظة على السلمية".
كما جددت الحركة التأكيد على مطالبها وأبرزها "تعليم يليق بالإنسان وبدون تفاوتات" و"صحة لكل مواطن بدون استثناءات".
وبدأت أعمال الشغب والصدامات مع قوات الأمن منذ ليل الثلاثاء حين شهدت بعض التظاهرات "تصعيدا خطيرا مس بالأمن والنظام العامين، بعدما تحولت إلى تجمهرات عنيفة استعملت فيها مجموعة من الأشخاص أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة والرشق بالحجارة"، وفق ما أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية رشيد الخلفي الأربعاء.
وأوضح أن هذا الأمر تسبب حتى ليل الثلاثاء في "إصابة 263 عنصرا من القوات العمومية بجروح متفاوتة الخطورة، و23 شخصا آخرين من بينهم حالة استدعت الخضوع للمتابعة الطبية".
وتم وضع 409 أشخاص رهن الحراسة النظرية، وأطلق سراح متظاهرين آخرين بعد التحقق من هوياتهم، بدون تحديد عددهم.

"ضبط النفس"
وأكد الخلفي أن محتجين "اقتحموا عددا من الإدارات والمؤسسات والوكالات البنكية والمحلات التجارية وقاموا بأعمال نهب وتخريب بداخلها"، في إنزكان وآيت عميرة وتيزنيت، ضواحي أكادير. وأشار إلى إضرام النار والحاق أضرار بـ142 عربة للقوات العمومية و20 سيارة خصوصية.
وأوضح أن السلطات ستواصل إجراءات حماية الأمن والنظام العامين مع "ضبط النفس وعدم الانسياق وراء الاستفزازات"، مشددا أيضا على "التعامل بكل حزم وصرامة (...) مع كل الأشخاص الذين يثبت ارتكابهم أفعالا أو تصرفات تقع تحت طائلة القانون".
في وقت لاحق أفاد مسؤول برئاسة النيابة العامة أن النيابات العامة "ستتعامل بمنتهى الصرامة والحزم مع أعمال التخريب وإضرام النار والعنف"، مذكرا بأن "الأفعال المذكورة قد تصل عقوبتها إلى 20 عشرين سنة سجنا وإذا اقترنت ببعض الظروف قد تصل إلى السجن المؤبد".
والأربعاء، قررت النيابة العامة في الرباط ملاحقة مجموعة جديدة من 97 شخصا، بينهم ثلاثة أوقفوا خلال تظاهرات الاثنين، بينما أخلي سبيل 26 آخرين، وفق ما أفادت محاميتهم سعاد براهمة.
يضاف هؤلاء إلى 37 شخصا قررت النيابة العامة نفهسا ملاحقتهم الثلاثاء، بينهم ثلاثة قيد التوقيف، بسبب محاولتهم التظاهر الأحد.
ومجموعة "جيل زد 212" التي ظهرت مؤخرا على موقع "ديسكورد" تصف نفسها بأنها "فضاء للنقاش" حول "قضايا تهم كل المواطنين مثل الصحة، التعليم ومحاربة الفساد"، مؤكدة رفض "العنف" و"حب الوطن والملك".
واسم هذه الحركة يجمع بين "جيل زد" أي الفئة العمرية التي ينتمي إليها أفرادها وهم مواليد نهاية العقد الأخير من القرن الماضي وبداية العقد الأول من القرن الحالي، وبين الرقم 212 وهو مفتاح الاتصال الهاتفي الدولي بالمملكة.