اقتصاد الرعاية بالمغرب: تقدم جزئي واختلالات بنيوية في مواجهة الشيخوخة والتحولات الاجتماعية

خديجة قدوري

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن المغرب يشهد تحولات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة تساهم في إعادة تحديد الاحتياجات المرتبطة برعاية الأفراد والأسر، وتؤدي شيخوخة الساكنة، وارتفاع معدل انتشار الأمراض المزمنة والتحولات التي تعرفها البنيات الأسرية، إلى بروز مطرد لحاجيات متعددة ومتنوعة في مجال الرعاية. وتزداد صعوبة الاستجابة لهذه الحاجيات، سواء كانت في إطار مهني أو داخل الأسر، في ظل محدودية عرض الخدمات واستمرار ممارسات عدم المساواة في أعمال الرعاية.

وأفاد من خلال الرأي الذي أعده المجلس تحت عنوان " اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي". أن العرض العمومي في مجال العناية بأوضاع الطفولة والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين، قد عرف تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، سواء من حيث التشريعات والأطر الاستراتيجية أو من حيث الولوج إلى الخدمات بالنسبة للساكنة المستهدفة.

وأضاف أنه رغم هذه الجهود التدريجية، يلاحظ أن العرض الحالي ما يزال تعتريه اختلالات بنيوية مستمرة، تحد من قدرته على الاستجابة بشكل ملائم الحاجيات الأشخاص في وضعية هشاشة. كما أن أعمال الرعاية في منظومة التكفل الاجتماعي عموما لا تحظى بعد بالتثمين المستحق، ويتم نقل وظائفها نحو الأسر ولاسيما النساء فضلا عن تفاقم أوجه اللامساواة المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والتوجه المتزايد في المقابل نحو تسليع خدمات الرعاية، هذا. ومن شأن هذه الوضعية أن تسهم في حدة الأعباء الملقاة على عاتق الأسر، وفي إضعاف شروط الولوج العادل إلى خدمات رعاية ذات جودة.

بالنسبة للطفولة الصغرى، أشار المجلس إلى أن خدمات الحضانة والتعليم الأولي سجلت تطورا ملحوظا، وهو مدخل أساسي في نمو ورفاه الأطفال. وتسهل هذه البنيات الملاءمة بين الحياة الأسرية والحياة المهنية، خصوصا بالنسبة للنساء. وقد مكن البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي من الرفع من نسبة ولوج الأطفال إلى التعليم الأولي الذي انتقل من 45 في المائة ما بين 2017 و 2018 إلى 76.2 في المائة ما بين 2022 و 2023 ، لا سيما بالنسبة للفتيات من 44.6 في المائة خلال الموسم الدراسي 2017-2018 إلى 77 في المائة خلال الموسم الدراسي 2022-2023)، خصوصا في الوسط القروي حيث بلغ 84.5 في المائة بالنسبة للفتيات القرويات مقابل 34.6 في المائة خلال الموسم الدراسي 2017-2018 23.

وأوضح أنه رغم التقدم المحرز لا تزال هذه العروض غير كافية لتلبية الحاجيات، ذلك أن تحقيق هدف التغطية الكاملة 100% في أفق 2028، يقتضي توفير طاقة استيعابية إضافية تتسع لأكثر من 550.000 مقعد دراسي، كما أن القطاع يعرف عدة أوجه قصور من أبرزها غياب إطار قانوني بالنسبة للفئة العمرية من 0 إلى 3 سنوات، وتنوع مسارات التكوين بشكل غير منسق إلى جانب ضعف آليات مراقبة المؤسسات التي تقدم هذه الخدمات.

ولفت الانتباه إلى أن العديد من المقاولات شرعت في إحداث حضانات بشكل تدريجي الفائدة الأجيرات العاملات لديها . وتستفيد هذه المبادرات على محدوديتها، من عدة تحفيزات في إطار برامج عمل الجماعات والشراكات بين القطاعين العام والخاص، فضلا عن التحفيزات الضريبية بحيث تتمتع هذه البنيات من إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة عند اقتناء معدات التجهيز والآلات والأدوات الضرورية لتأمين اشتغالها. وتهدف هذه التدابير إلى تخفيف العبء الضريبي عن المقاولات المستثمرة في إحداث دور للحضانة، بما يشجع على توفير مثل هذه الخدمات الفائدة مستخدميها، ولا سيما النساء.

وأضاف أنه بالنسبة للأشخاص المسنين يسجل نقص كبير في البنيات المتخصصة في طب الشيخوخة، بحيث لا يوفر العرض الصحي الحالي للتكفل بهذه الفئة سوى بنيتين متخصصتين حصريا في أمراض الشيخوخة تتواجدان معا بجهة الرباط سلا القنيطرة، و 6 أطباء فقط متخصصين على الصعيد الوطني، إلى جانب 200 طبيب عام حاصلين على دبلوم جامعي في هذا التخصص. كما أن عدد مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين لا يتجاوز 72 مركز استقبال للتكفل الدائم موزعة عبر أنحاء التراب الوطني وبطاقة استيعابية جد محدودة. وتتركز هذه المؤسسات أساساً في الوسط الحضري حيث تدبرها في معظم الأحيان جمعيات لا يمكنها الدعم العمومي من استدامة وجودة خدماتها، وهذا بالإضافة إلى غياب آليات صارمة ومنتظمة للرصد والتتبع والتقييم.

وأزاح المجلس الستار عن الخصاص في البنيات التحتية التي تستجيب للاحتياجات الخاصة للأشخاص المسنين مما يشكل عائقا كبيرا أمام إدماجهم الاجتماعي، لا سيما بالنسبة لمن يعاني منهم من أمراض مزمنة أو إعاقة أو عجز حركي فغياب المرافق الصحية كالمراحيض الملائمة ووسائل النقل العمومي المراعية لخصوصية الأشخاص المسنين، والحدائق العمومية، والنوادي النهارية التي توفر لهم الرعاية الصحية الأولية والأنشطة الثقافية والرياضية، كلها عوامل تساهم في تعميق عزلتهم والحد من قدرتهم على ارتياد الفضاءات والمرافق العامة. وتزداد حدة هذه الوضعية في المناطق القروية، حيث مرافق القرب نادرة أو منعدمة.