بالموازة مع تصاعد مخاطر السيول التي جرفت وسط أحياء آسفي، عشية يوم أمس الأحد، خاصة بوسط المدينة وقرب الميناء، تنقلت أكثر من مرة، بين قنواتنا التلفزية الرسمية، أنتظر تغييرا مفروضا في البرمجة، تجيب عن وقوع حدث جلل، يهدد حياة وسلامة ملايين المواطنين، ليس فقط بـ"حاضرة المحيط"، بل في الشمال والجنوب الشرقي أيضا.
طبعا، لم أجد؟
ككل مرة، مهما كان حجم الفواجع التي تصيب البلاد والعباد، يبقى المرفق العمومي السمعي البصري خارج الخدمة، كأن ما وضع قبل شهر عناوين مقدسة لا يمكن المس بمرورها وفق خريطة بث مفصولة تماما عن هموم من يدفعون ضرائب ضمان استمرار البث.
مرة أخرى، سنعيد تكرار أسطوانة المقارنة التي لم تعد مشروخة فقط، بل تفتت، بفعل ما أصبحت توفره الثورة الرقمية والتواصلية من إمكانيات للرفع من أوجه المقارنات.
كيف يبحث المسؤولون على رأس المؤسسات السياسية والاقتصادية والخارجية والسيادية والثقافية... عن تربية المغاربة على استهلاك المحتوى الإعلامي وفق الهوية المغربية، وهم يصمتون دائما عن غيابه في أقراحهم، واليوم حتى في أفراحهم المنتظرة.
المغاربة، اليوم، يعيشون أجواء قرب انطلاق نهائيات كأس أمم إفريقيا عبر شاشات أجنبية، كما يتقاسمون جديد أخبار الفواجع التي تصيبهم من نفس المصدر.
لماذا يصاب تلفازنا دائما بالعمى والصمم والبُكم حين نُفجع؟!
ينتظر شروق الشمس، كأن محطات توليد كهربائه تحتاج أشعتها لتدور، وتشغل الكاميرات وأضواء استوديوهات الأخبار.
قبل أيام، تناقل صناع محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، يجتهدون في نقل أخبار أحوال الطقس، ما تحمله عاصفة "إميليا" من أمطار رعدية.
شرحوا حيث سوف تتسبب في تساقطات طوفانية، بل تحدثوا عن آسفي تحديدا.
ماذا عن التلفاز المغربي وما يجاوره؟
الجواب صفر!
وإذا غاب الذي يجب أن يلعب دور المحذر الأول وقائد سمفونية التحسيس بالمخاطر، يعتبر المسؤول عن معالجة الاختلالات التي تعرفها البنى التحتية، بدوره، أن غيابه لن يغير شيئا، يرى في مضامين صناع المحتوى الافتراضي مجرد كلام عابر ينفخ في التوقعات.
يعيش السواد الأعظم من المسؤولين، المنتخبين منهم والمعينين، بشعار: "يلا ما قريتهاش في (لاماب) ... وما شفتهاش في أخبار الواحدة إلا الربع ... أو الثامنة مساء ... إذن لن أهتم بها ولا تنتظر أنت أن نهتم..."
الدول التي تحرص على السيادة وتُحضر أجيال المستقبل للعيش من وسطها، تربيها عليها بشكل جامع لا متجزئ ومفصول.
وكم يجد المواطن المغربي نفسه دائما وسط دوامة التجزئة والفصل، في ما بين ما ينتظر منه وما ينتظره هو، خاصة إذا ما أصابته مصيبة، ثم يكون أول ما يلتقطه، ذلك الإحساس الرهيب بالتجاهل الدائم لحظة وقوع المحن.
وبما أننا وصلنا ها هنا إلى موضوع التربية، حاولت منذ وقوع زلزال الحوز تتبع ما يمكن أن يتغير في طريقة تفاعل المسؤولين المغاربة على كافة المستويات، تجاه تدبير ما يمكن أن يقع من كوارث طبيعية أو تلك التي تحدث بسبب تجاوزات البشر، مثل ما وقع في فاس مؤخرا.
لا شيء طبعا تغير. باستثناء مستويات تحرك وتواصل تشرف عليهما وزارة الداخلية وحدها دون غيرها.
انتظرنا أن يحدث زلزال الحوز، بفعل حجم ما خلفه، رجة في التربية الجماعية على تدبير ما بعد وقوع الكوارث الطبيعية والبشرية. والرفع من درجة اليقظة حين يتعلق الأمر بما يمكن توقعه منها.
لكن واقعنا الذي يتكرر، يجعلنا سجناء داخل قاعة انتظار عشرات التحقيقات التي تفتح ثم لا نعرف متى وكيف قُفلت!
محتجزون حيث يركب الزمان صهوة اللانهاية، والحقيقة أننا لا نتحرك أصلا، نحن نتفرج فقط على "الحصان الميت فوق الطاولة!"