تشهد الأسواق منذ أشهر موجة غلاء شملت مختلف المواد الغذائية، من الدجاج إلى الخضر والبيض، وهو ما عمق أزمة القدرة الشرائية للأسر.
وتزامن هذا الارتفاع مع الدخول المدرسي، ما جعل كلفة المعيشة مضاعفة، إذ لم تعد ميزانيات الأسر قادرة على التوفيق بين المصاريف الدراسية والغذائية، فالدجاج الذي ظل لسنوات البديل الأرخص مقارنة باللحوم الحمراء، أصبح اليوم عبئا إضافيا بعد أن تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد 24 درهما في بعض الأسواق، بينما ارتفعت أيضا أسعار الخضر والبيض، لتصبح شكاوى المواطنين ملخصة في عبارة متكررة "كلشي طلع".
لهيب الأسعار
في تصريحات متطابقة لـ"تيلكيل عربي"، عبرت عدد من الأسر عن استيائها من موجة الغلاء، مشيرة إلى أن أسعار الدجاج التي قفزت إلى ما بين 24 و25 درهما للكيلوغرام لم تترك مجالا أمامها للاستفادة من بديل اقتصادي في مواجهة غلاء اللحوم الحمراء.
وأكدت أن هذه الزيادات تتزامن مع تكاليف الدخول المدرسي، من كتب وأدوات ولوازم، وهو ما يرهق الأسر ويدفعها إلى تقليص استهلاكها أو تغيير عاداتها الغذائية.
وشددت على أن المشكلة لم تعد محصورة في الدواجن وحدها، بل شملت الخضر والبيض والمواد الأساسية الأخرى.
سوق سوداء وشناقة
من جانبه، أكد سعيد جناح، الأمين العام للجمعية المغربية لمربي الدجاج، أن ثمن الكتكوت كان يتراوح ما بين 3 و4 دراهم، غير أنه منذ سنتين ارتفع بشكل صاروخي ليصل إلى 14 درهما، وهو ما انعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج وأسعار الدواجن في السوق.
وأوضح جناح، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن سبب ارتفاع أسعار الدجاج في السوق ربما يعود إلى تقليص الإنتاج من لدن بعض المحاضن، خوفا من قلة الطلب بسبب الدخول المدرسي.
وأضاف أن مشكل الغلاء يعود أساسا إلى وجود سوق سوداء، حيث إن ثمن الكتكوت في المحاضن محدد في 6 دراهم وفق السعر المبرمج، لكن عندما يلجأ المهنيون لاقتنائه يقال إنه غير موجود، في حين تجد الكتكوت لنفس المحضن ولنفس الشركة، معروضا في السوق السوداء بثمن 8.5 دراهم، وهو ما يؤشر على انخراط بعض الشركات في هذه السوق الموازية.
وأبرز أن هذا الوضع يبرز مشكل "الشناقة" الذين يستغلون الفوضى لمراكمة الأرباح، ما يجعل المربي يضطر إلى اقتناء الكتكوت بأثمان مضاعفة، في حين أن الأرباح الحقيقية تذهب إلى المحاضن والسماسرة.
ومن أسباب ارتفاع الأسعار أيضا، بحسب جناح، هو أن بائع الدجاج يبالغ أحيانا في هامش الربح، مقدما مثالا على ذلك بالقول "قد يكون ثمن الدجاج في سوق الجملة بـ18 درهم للكيلوغرام، وثمنه عند بائعي الدواجن بالتقسيط (مول الرياشة)، بسعر 24 أو 25 درهما، وهذا ثمن مبالغ فيه فالأصل أن لا يتعدى الربح درهمين أو ثلاثة للكيلوغرام".
وحول حرية الأسعار قال الأمين العام للجمعية المغربية لمربي الدجاج "أين هي الدولة الاجتماعية في غياب مراقبة الأسعار ولا يمكن ترك السوق مفتوحا للمضاربات والجشع، وأصبح كل من يجد الفرصة يثقل كاهل المواطن بزيادات غير مبررة".
وأوضح أن انخفاض الإنتاج قد يكون مرتبطا أيضا بانتشار بعض الأمراض مثل أنفلونزا الطيور (H5)، غير أنها لا تؤثر مباشرة على المستهلك.
خيار المقاطعة
بدوره، أشار بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك بالمغرب، إلى أنه فمنذ دجنبر 2023 عرفت أسعار العديد من المواد الأساسية ارتفاعا مستمرا، على رأسها الخضر والدواجن والبيض.
وأوضح، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" أن هذا الارتفاع لم يكن مبررا دائما بالأسواق العالمية، لأن أسعار بعض المنتجات تراجعت دوليا بينما بقيت مرتفعة محليا، مشيرا إلى أن ذلك يعود إلى عقلية بعض التجار أو المنتجين الذين يعتبرون هامش الربح حقا مكتسبا، لا يمكن أن ينخفض بل يسعون دائما إلى زيادته، حتى على حساب القدرة الشرائية للمستهلك.
وقال الخراطي إن "المستهلك عليه أن يقاطع كل شيء ارتفع ثمنه ولو مرة، وإذا لبى المواطنون نداء حماة المستهلك فلتكن أسبوعا كاملا لا نستهلك فيه المنتوج الذي ارتفع، وهذا يدخل في إطار حرية الاختيار، فحتما ستنخفض الأسعار، غير أنه أشار إلى مفارقة لافتة "الكل يشتكي من الغلاء ولكن عند التوجه إلى السوق تجد الجميع يشتري".
وأضاف أن غياب التنسيق بين مؤسسات المراقبة وضعف آليات الضبط جعل المستهلك في مواجهة مباشرة مع هذه الزيادات غير المبررة.
ورغم هذه الاختلالات، أكد الخراطي أن المغرب يبقى استثناء في المنطقة حيث استطاع أن يحافظ على سلسلة التزويد بشكل مستقر، لافتا إلى أنه خلال جائحة كوفيد لم يعرف المغرب مشكلا في تأمين الغذاء مقارنة بدول أوروبية عانت كثيرا من اضطرابات في هذا المجال مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
وعموما فإن موجة الغلاء الحالية لم تعد مجرد أزمة ظرفية، بل تعبيرا عن اختلال هيكلي في السوق الوطنية، حيث تلتقي المضاربات مع غياب المراقبة وتفضي إلى أثمان تثقل كاهل المواطنين.
وبينما يعتبر المربون أنفسهم ضحايا السوق السوداء، يجد المستهلك نفسه أمام فاتورة مضاعفة في زمن الدخول المدرسي وارتفاع أسعار الخضر والدواجن والبيض، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة "سعار" الغلاء.