قال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إن تنامي استعمال الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فرض تحديات جديدة على مبدأ قرينة البراءة، بعدما أصبح المساس بهذا الحق يتم بطرق مختلفة وفي دوائر واسعة، محذرا من أن تقنيات التزييف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، باتت تسبق أحيانا أحكام القضاء وتهدد جوهر هذا المبدأ.
وأوضح وهبي، في جواب عن سؤال كتابي لسعيد بعزيز، عضو الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، حول "حول تقييم مدى احترام قرينة البراءة في الممارسة والصناعة التشريعية"، أن التكنولوجيا الحديثة، رغم مساهمتها في توفير أدلة علمية ورقمية تمنع إدانة الأبرياء، أفرزت تحديات معقدة، من بينها القدرة على فبركة الأدلة واتساع انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما قد يضع الفرد في موضع اتهام دائم، داعيا إلى وضع ضوابط تشريعية صارمة تحول دون تحويل الوسائل التقنية من أدوات لإثبات الحقيقة إلى وسائل لانتهاك الحرية الفردية وهدم أصل البراءة.
وأضاف الوزير أن حماية قرينة البراءة لا ترتبط بالتشريع فقط، بل تمتد إلى التربية والأخلاق، من خلال غرس احترام كرامة الإنسان والتأني في إطلاق الأحكام، والحد من "المحاكمات الاجتماعية" المتسرعة، ومنع الانسياق وراء الشائعات والتشهير الرقمي.
وتوقف وهبي عند الجدل الذي رافق القوانين الانتخابية الجديدة، مبرزا أن المحكمة الدستورية أوضحت أن قرينة البراءة المكفولة دستوريا يتمتع بها كل مشتبه فيه أو متهم أمام القضاء الزجري، في حين تندرج شروط القابلية للانتخاب وأهلية الترشح ضمن نطاق التنظيم التشريعي للحقوق السياسية، بما يخول للمشرع تحديد موانع الترشح وفق الضوابط الدستورية.
وأشار إلى أن هذه التعديلات لم تمس بقرينة البراءة ولا بضمانات المحاكمة العادلة، وإنما استهدفت حماية نزاهة العملية الانتخابية والوقاية من بواعث عدم الاطمئنان إليها.
وفي معرض جوابه، شدد وزير العدل على أن قرينة البراءة تشكل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها القضاء الجنائي، باعتبارها مبدأ دستوريا وكونيا يقضي بأن الأصل في الإنسان البراءة، وأن كل مشتبه فيه أو متهم يعامل بوصفه بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وفي إطار محاكمة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية.
وأشار إلى أن دستور 2011 كرس هذا المبدأ في الفصلين 23 و119، كما عززه قانون المسطرة الجنائية الجديد من خلال التأكيد على تفسير الشك لفائدة المتهم، واحترام حقوق الدفاع، والمحاكمة داخل أجل معقول، وحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، فضلا عن مراجعة الضوابط القانونية المتعلقة بالحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي باعتبارهما تدبيرين استثنائيين، وتعزيز الحق في التزام الصمت.
وكان النائب بعزيز قد أثار، في سؤاله الكتابي، أن الفصل 23 من الدستور ينص على أن "قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان"، وهو ما ترجمته أيضا المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية، مذكرا بأن المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تعتبر أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، وأن هذا المبدأ يشكل حجر الزاوية في المحاكمات العادلة.
وأضاف أن المغرب، باعتباره عضوا نشيطا في المنظمات الدولية، التزم باحترام المبادئ والحقوق التي تقرها المواثيق الدولية، وبالتشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وأن المرحلة تستوجب الوقوف لتقييم مدى احترام قرينة البراءة على مستوى التشريع الوطني، متسائلا عن مدى احترام هذا المبدأ في الممارسة والصناعة التشريعية.