خيم الحزن على الوسط الصحفي والإعلامي المغربي، بعد وفاة الزميلة الصحفية حسناء بوفلجة، عشية اليوم السبت، بعد مسيرة حافلة بالعطاء المهني الصامت، وصراع شجاع مع مرض عضال لم يمهلها طويلا.
تعد الراحلة حسناء بوفلجة من جيل الصحفيين الذين آمنوا بالعمل الميداني العميق بعيدا عن أضواء "البلاطوهات"، فهي خريجة المعهد العالي للصحافة والإعلام (دفعة 2008).
اختارت منذ بدايتها مسار الصحفية الحرة (Freelance)، متخصصة في إعداد وإنتاج البرامج التلفزيونية والتحقيقات الاستقصائية والوثائقيات التي تلامس القضايا الإنسانية المعقدة.
وبكثير من التأثر، نعت الصحفية مريم الرايسي زميلتها بكلمات تعكس عمق العلاقة التي جمعتهما، أثناء حديثها لـ"تيلكيل عربي" قائلة: "حسناء كانت مثالا للأخت قبل أن تكون زميلة، ومعرفتي بها تمتد لأكثر من عشرين سنة".
وأضافت الرايسي أن الفقيدة كانت "خدومة وشجاعة، حاربت المرض بضراوة، لكنه عاد في المرة الأخيرة بقوة، لقد كانت صديقة طيبة ومهنية جدا، تملك قلما يفيض إبداعا، اشتغلت بصمت ورحلت بصمت".
من جانبه، لم يخف الصحفي أمين الري حجم الصدمة التي خلفها رحيل الزميلة حسناء، مؤكدا أن فقدانها يشكل خسارة كبيرة للجسم الصحفي.
وقال الري في شهادة لـ"تيلكيل عربي" إنه "جمعتنا محطات مهنية ومدنية عديدة، وكانت فعلا صحفية متألقة وخدومة ومتفانية في عملها إلى أقصى الحدود."
وأضاف، والذهول لا يزال يرافقه أن "حسناء نموذج للصحفية المتفانية، وما زلت لم أستوعب خبر وفاتها، نعزي أنفسنا وأسرتها الصغيرة والكبيرة في هذا المصاب الجلل."
أما الصحفية كوثر كمار، فقالت في تصريح لـ"تيلكيل عربي": "فقدنا صحفية نبيلة وخلوقة ومتميزة، كانت تقدم الدعم لجميع الزملاء، ولا تبخل عليهم بالنصائح، وهبت حياتها للصحافة، وكانت حريصة على الالتزام بأخلاقيات المهنة".
وكتبت، الصحفية في نعي صديقتها وزميلتها حسناء: "اليوم انتهت رحلتنا معا في هذه الدنيا، وسأكمل الطريق لوحدي، لكنني سأبقى على العهد، كنت وستظلين دوما الحبّ والروح والسند، إلى اللقاء".
عرفت الراحلة بين زملائها بنكران الذات والاشتغال في الخفاء لصناعة محتويات إعلامية وازنة، إذ كانت المحرك الخفي وراء العديد من الإنتاجات التي حققت نسب مشاهدة عالية على القنوات الوطنية والدولية، مقدمة نموذجا للصحفي "المعد" الذي يضع جودة القصة فوق اعتبارات الشهرة الشخصية.
لم يكن اسم حسناء بوفلجة غريبا على كواليس كبريات البرامج التلفزيونية في المغرب، إذ ساهمت بلمستها المهنية في إثراء المشهد السمعي البصري من خلال مشاركات وازنة في برامج "45 دقيقة" على القناة الأولى، و"إنيغما التحدي" على ميدي 1 تيفي، و"حكاية بطل" على القناة الثانية (2M)، والبرنامج الوثائقي "الرواد".
ومن آخر أعمالها رئيسة تحرير برنامج "ستانداب" وإعداد برنامج في قلب الجهة.
وبألم كبير، استذكر زملاؤها لقب "صاحبة المعطف الأحمر"، وهو الوصف الذي كان يطلقه عليها المقربون منها، تعبيرا عن تميز حضورها وحيويتها التي كانت تملأ فضاءات التصوير والعمل، قبل أن ينال منها المرض ويجبرها على خلع معطف العمل والخلود إلى الراحة الأبدية.
برحيل حسناء بوفلجة، يفقد الجسم الصحفي المغربي "جندية خفاء" من طراز رفيع، عرفت بدماثة الخلق والمهنية العالية، في خسارة لا تعوض لجيل من الصحفيين الأحرار الذين يشتغلون بصمت لصناعة الوعي والذاكرة الوطنية، والذين يحتاجون إلى التفاتة من الحكومة والهيئات المهنية.