المجلس الأعلى للتربية والتكوين يحذر من "الصمت العمومي" أمام الذكاء الاصطناعي ومخاطره

خديجة عليموسى

كشف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي على النمو المعرفي يمثل أحد أبرز رهانات التوصية المتعلقة باعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي، لما ينطوي عليه من تأثير في مسارات بناء القدرات الذهنية لدى المتعلمين في مختلف مراحل نموهم.

وأوضح المجلس، في توصية جديدة بعنوان "من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي" أصدرها في إطار إحالة ذاتية،  أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقتصر على توفير المعلومات، بل ينتج إجابات ونصوصا واستدلالات جاهزة، ما قد يؤدي، في حال الاستعمال غير المؤطر، إلى إضعاف عمليات ذهنية أساسية يفترض أن تبنى تدريجيا عبر التعلم.

وأضاف أن الاستعمال المبكر وغير المؤطر للذكاء الاصطناعي من قبل الأطفال واليافعين الذين تكون قدراتهم اللغوية والتحليلية والنقدية في طور التشكل، قد يؤدي إلى إضعاف الجهد الذهني وإحداث هشاشة في التعلمات الأساسية المتمثلة في القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي، والاعتماد المفرط على حلول جاهزة، بما يربك علاقة المتعلم بالمعرفة.

كما أبرزت التوصية أن التحليلات التربوية الحديثة تظهر أن التعلم الفعلي يفترض زمنا ومحاولة وخطأ وكلفة معرفية ضرورية لبناء الفهم العميق، بينما قد يؤدي الاستعمال غير المنظم للذكاء الاصطناعي إلى تعلم سطحي سريع وضعيف والترسخ محدود القابلية للتحويل إلى سياقات جديدة.

وسجل المجلس أن هذه المخاطر تعزز أهمية اعتماد مقاربة وقائية تستند إلى مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في مختلف أبعاده، بما يضمن توجيه استعمالات الذكاء الاصطناعي بشكل يحترم منطق التدرج في التعلم ويدعم بناء القدرات المعرفية والنمائية على أسس متينة، لافتا إلى أن ذلك  يستدعي مقاربة وتأطيرا بيداغوجيا واضحا يحدد شروط استعمال هذه الأدوات على نحو يضمن دعم عمليات التعلم الأساسية دون الإخلال بمنطق التدرج وبناء المعرفة لدى المتعلم.

وفي سياق متصل، أبرز المجلس أن الملاحظات المتقاسمة داخل الوسط التربوي، إلى جانب الشهادات التي استقاها لدى أعضائه من ممثلي التلاميذ والطلبة وهيئات التدريس والتفتيش والتوجيه، تبرز أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأت تستعمل بالفعل من قبل المتعلمين والمدرسين في سياقات تعليمية مختلفة، تشمل البحث عن المعلومات، والمساعدة في إعداد الموارد التعليمية، وإنجاز بعض الأنشطة الدراسية أو صياغة النصوص.

وأضاف أن هذا الاستعمال المتزايد يعكس دخول الذكاء الاصطناعي تدريجيا إلى الفضاء التربوي، ليس فقط باعتباره أداة تقنية جديدة، بل باعتباره عنصرا قد يؤثر في طرائق التعلم وإنتاج المعرفة داخل المؤسسات التعليمية.

واعتبر المجلس أن انتشار استعمالات الذكاء الاصطناعي في البيئة الرقمية للأطفال واليافعين يتم بوتيرة متسارعة، في حين لا تزال الأطر التربوية والمؤسساتية الناظمة لهذه التحولات في طور التشكل، الأمر الذي يكشف عن وجود اختلال مقلق بين وتيرة انتشار الذكاء الاصطناعي ووتيرة تأطير استعمالاته في المنظومة التربوية.

وأبرز المجلس وجود اختلال مقلق بين وتيرة انتشار الذكاء الاصطناعي ووتيرة تأطير استعمالاته في المنظومة التربوية، موضحا أن الأطفال واليافعين يتعرضون بشكل مكثف ومتزايد، بل ومبكر للغاية، لمختلف الفضاءات الرقمية والمنصات والتطبيقات التي تتقاطع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع الذكاء الاصطناعي، بما يعكس تسارعا واضحا في استعمال الأدوات الرقمية المرتبطة به داخل المجتمع والفضاء التربوي، سواء في الولوج إلى المعلومات أو في إنتاج النصوص والمضامين أو في إنجاز بعض الأنشطة المرتبطة بالتعلم.

وفي المقابل، كشف المجلس وجود تأخر واضح في التأطير المؤسسي والتربوي القادر على توجيه هذه الاستعمالات وضبط شروطها، مشيرا إلى أن هذا المجال لا يزال يفتقر إلى إطار تربوي ومؤسساتي واضح وممنهج ومتدرج، يؤطر استعمالات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية، ويحدد حدودها وشروطها، ويضبط آثارها المحتملة على التعلمات والنمو المعرفي وتشكل الذهنيات والسلوك، ويضمن الحد الأدنى من الحماية التربوية للمتعلمين.

وأضاف المجلس أنه كلما اتسعت هذه الاستعمالات وترسخت في الممارسات اليومية داخل المجتمع والفضاء التربوي دون تأطير كاف، ازدادت صعوبة ضبطها لاحقا، ووجدت المؤسسات التعليمية والفاعلون التربويون أنفسهم في وضعية تكيف متأخرة مع تحولات تكنولوجية سريعة التطور، فضلا عن كون هذا الاختلال يتقاطع مع تفاوتات قائمة في الولوج إلى البنيات التحتية الرقمية والخدمات المرتبطة بها، مما قد يؤدي إلى تعميق الفوارق بين المتعلمين والمؤسسات والمجالات في الاستفادة من هذه التحولات.

واعتبر المجلس أن هذا الواقع، المتسم بتعدد المبادرات وتشتتها في غياب تصور شمولي مؤطر يضمن انسجامها وتكاملها، يبرز الحاجة إلى تدخل عمومي إرادي قوي وعاجل، قادر على استيعاب هذه التحولات وتوجيهها ضمن رؤية تربوية واضحة ومتكاملة.

ولفت إلى أن عدم التدخل أو التريث المفرط قد يشكل في حد ذاته مخاطرة، بما قد يحول الصمت العمومي إلى اختيار ضمني تتحدد على أساسه، بشكل تدريجي، مسارات التعلم وأنماط التفكير لدى أجيال كاملة.

وفي مقابل هذه الرهانات، أظهرت جلسات الاستماع التي نظمها المجلس مع الفاعلين في قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني وجود دينامية متزايدة لاستكشاف إمكانات التكنولوجيات الرقمية، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والتكوين، بما يعكس اهتماما متناميا بمواكبة التحولات التي يشهدها المجال التربوي على الصعيد الدولي.