ترأس الملك محمد السادس، اليوم الأحد، بالقصر الملكي بالرباط، مجلسا وزاريا خصص للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2026، وللمصادقة على عدد من مشاريع القوانين التنظيمية ومراسيم واتفاقيات دولية وتعيينات في مناصب عليا.
ومن بين الأولويات الكبرى لمشروع قانون المالية إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، من خلال التركيز على ترصيد الخصوصيات المحلية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وعلى مبدإ التضامن بين المجالات الترابية. وسيتم إعدادها بناء على تشاور موسع مع مختلف الفاعلين المعنيين على المستوى الترابي، مع إعطاء الأولوية لإحداث مناصب الشغل للشباب، والدعم الفعلي لقطاعات التربية والتعليم، والصحة، إضافة إلى التأهيل المجالي، وفق ما ورد في بلاغ الديوان الملكي.
وفي هذا السياق، يشهد المغرب اليوم إطلاق مسار نموذج جديد للتنمية الترابية المندمجة، وهي مرحلة تتطلب تعبئة جماعية ومسؤولية مشتركة بين مختلف مكونات الدولة من كومة، ومؤسسات المنتخبة، ومجتمع المدني، وقطاع الخاص، ومواطنين.
وتأتي هذه المرحلة في سياق وطني متجدد يقتضي تسريع التنفيذ الميداني للسياسات العمومية المندمجة التي تضع المواطن في صلب التنمية، وتترجم التوجيهات الملكية السامية إلى مشاريع واقعية وملموسة على أرض الواقع.
واستحضارا لمضامين الخطاب الملكي السامي الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، وكذا الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد ليوم 29 يوليوز 2025، يتعين التأكيد على أن تنزيل النموذج التنموي الجديد يدخل مرحلة نوعية تتأسس على جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، قوامها العدالة المجالية، والنجاعة في الأثر، وتثمين الخصوصيات المحلية لكل مجال ترابي.
وانسجاما مع الرؤية الملكية يبزر ورش الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، باعتبار تسريعه يشكل إحدى الدعائم المركزية للنموذج التنموي الجديد، وتجسيدا للتعليمات الملكية السامية الرامية إلى تمكين الجهات من الاضطلاع بأدوارها الكاملة في التخطيط والتمويل والتنفيذ.
وتمثل الجهوية المتقدمة وفي ضوء التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025، الإطار الأمثل لتنزيل جيل جديد من البرامج الترابية المندمجة، المؤسسة على تثمين خصوصيات كل جهة، وضمان التكامل والتضامن بين مختلف الكيانات الترابية.
وتقتضي هذه الرؤية الجديدة الحرص على انسجام هذه البرامج الجهوية مع النموذج التنموي الجديد وأدوات التخطيط الاستراتيجي المعتمدة، بما يتيح تخطيطا متماسكا، وتوزيعا أمثل للموارد، وتعزيزا للتنسيق وضمانا لتتبع فعّال.
فالجهوية المتقدمة ليست مجرد إصلاح إداري، بل هي مدخل لترسيخ العدالة المجالية وتقريب القرار التنموي من المواطن، ووسيلة عملية لتحفيز الاستثمار المحلي وتثمين المؤهلات الذاتية لكل جهة، في انسجام مع التوجه الملكي الرامي إلى جعل كل جهة فاعلا رئيسيا في التنمية الوطنية الشاملة.
ومن أجل تحقيق هذه الغاية، يستوجب هذا الورش تعزيز المقاربة التشاركية عبر تنظيم مشاورات جهوية ومحلية تجمع الفاعلين الترابيين من منتخبين ومصالح لا ممركزة ومؤسسات عمومية وفاعلين اقتصاديين واجتماعيين، من أجل إعداد برامج ترابية مبنية على تشخيص دقيق وبيانات محينة، وفق مقاربة تستهدف الفئات السكانية ذات الأولوية.
وتمثل هذه الخطوات ترجمة عملية للرؤية الملكية الرامية إلى تحويل الجهة من مجرد إطار إداري إلى فضاء استراتيجي منتج للثروة ومولد للفرص، بما يضمن الارتقاء التنموي المتوازن بين مختلف ربوع المملكة.
وكامتداد لهذه الرؤية، يبرز ملف إحداث مناصب الشغل للشباب ضمن مقاربة إنتاجية جديدة، وهو ما يعتبر تحديا وطنيا محوريا، إذ يجسد التزام الدولة بجعل العمل اللائق مدخلا للكرامة والتنمية، ويستدعي تفعيل التوجيه الملكي الداعي إلى جعل التشغيل في صلب البرامج الترابية الجديدة، عبر تحديد الإجراءات والمشاريع ذات الأثر المباشر على خلق فرص الشغل، انطلاقا من الإمكانات الاقتصادية المحلية وخصوصيات كل مجال ترابي.
وتستوجب المرحلة الحالية اعتماد جيل جديد من الآليات الداعمة للتشغيل، تقوم على الربط بين التكوين والاستثمار والإنتاج، مع تشجيع المبادرات المقاولاتية المحلية والمشاريع الصغرى والمتوسطة المولدة لفرص العمل.
وفي هذا الإطار يندرج إطلاق برامج جديدة للتشغيل الذاتي والمقاولة الناشئة، وتبسيط مساطر التمويل والمواكبة والتوجيه، وتحفيز الاستثمارات المحدثة للشغل في القطاعات الواعدة ذات البعد الترابي، وتفعيل ميثاق الاستثمار كرافعة مركزية لتحفيز المبادرات الخاصة، خاصة في العالم القروي والمراكز الصاعدة.
إن التشغيل وفق الرؤية الملكية ليس مجرد ملف اجتماعي، بل هو ورش وطني للتنمية والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، يتطلب تعبئة متكاملة من الدولة والمجتمع ، ويشكل أحد المرتكزات الأساسية لجيل التنمية الجديد الذي دعا إليه الملك محمد السادس.